المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محبة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم


algalhud77
01-01-2007, 09:06 AM
خطبة جمعة مأخوذة من موقع أوقاف دبي على الإنترنت بعنوان
" محبة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم "
الحمد لله الذي أنعم على الوجود ببعثةِ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أحمده سبحانه على جزيل نعمه، وأشكره على تفضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله اللهم، ارزقنا محبة حبيبك محمد  ، وصل وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم، واحشرنا معه في زمرة عبادك الصالحين، ومُنَّ علينا باتباعه في الأقوال والأفعال والأحوال يا رب العالمين، ( يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تموتُنَّ إلاَّ وأنْتُمْ مُسْلِمُونْ ).

أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (([1]).

أيها الأحبة: أرسل الله رسولَهُ سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام بالهدى ودين الحق، رحمة للعالمين رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين، حريصاً على هدايتهم، عزيزاً عليه عَنَتُهُمْ وتفرقهم وتنازعهم وتخاذلهم، فهو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (([2]).

وقال جل شأنُهُ : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (([3]).

وهذا يوجب على المؤمنين أن يُجِلُّوا رسولَ الله  ، وأن يحبوه محبة صادقة مخلصة، وأن تتغلغل هذه المحبة في سويداء قلوبهم لتجعلها تقيةً نقيةً، لا بغي فيها ولا حسد، ولا حقد ولا عداوة ولا بغضاء. وبذلك يكملُ إيمانهم ويتمُّ هناؤهم، وتتحقق سعادتهم في الدنيا والآخرة، أخرج البخاري عن رسول الله  أنه قال (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين )) ([4]). وقد روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي  وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي  : (( والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك )) فقال له عمر : فإنه الآن، لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي  : (( الآن يا عمر )) أي الآن كمل إيمانك وتمت سعادتك ([5]).

أيها المسلمون: إن محبةَ الرسول الكريم  مفروضةٌ على كل مسلم ومسلمة، فهو رسولُنا وحبيبُنَا وشفيعُنَا وأُسوتُنَا وقدوتُنا، وهو بابُ اللهِ، فأيُّ امرئٍ أراد أن يدخلَ على الله من غير بابه لا يدخل. وفي هذه المنـزلة من المحبة والإجلالِ تنافَسَ المتنافسون، وعليها تفانى المحبون، لأنها قوتُ القلوبِ، وغذاءُ الأرواحِ، وقرةُ العيونِ، وهي الحياةُ التي من حُرِمهَا فهو من جملةِ الموتى، وهي النورُ الذي من فقدَهُ فهو في بحارِ الظلماتِ، وهي روحُ الإيمان والأعمالِ، والأحوال والمقامات، وبكمالِ محبتِهِ واتباعِهِ يحوزُ المؤمنُ على محبةِ الله تعالى أيضاً مع غفران ذنوبه وآثامه، قال الله تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (([6]).

أيها المسلمون أحباب الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: إن محبةَ رسولِ الله  ، معناها : توقيرُهُ وتعظيمُهُ، والإيمانُ بشريعتِهِ، والاهتداءُ بسنتِهِ، ونصرُ دينِهِ بالقولِ والفعلِ، والرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبسيدنا محمدٍ  نبياً ورسولاً، فمن ادعى محبة الرسولِ  ولم يتخلقْ بأخلاقِهِ، ولم يُدافعْ عن شريعته، فهو كاذب في دعواه، متبع لشهوته وهواه، قال رسول الله  : (( لا يؤمن أحدكم حتى يكونَ هواهُ تبعاً لما جئتُ بِهِ)) ([7]). ولقد تفانى أصحابُ رسولِ الله  في هذا المقام العظيم من المحبةِ والإجلال، فوهبـوه أرواحَهُم وأموالَهُم، وتركوا – من أجل نصرة دينه –ديارَهم وأوطانَهُمْ، وإذا جلسوا معه جلسوا كأن على رؤوسِهِمُ الطيرَ، وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وإذا خاطبوه لم يرفعوا أصواتَهم أدباً معه، وإذا غاب عن أحدهم لا تطيبُ له الحياة حتى تراه عيناه، فكان صلواتُ ربي وسلامُهُ عليه أحبَّ إليهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم، ومن آبائهم وأمهاتهم ومن الماء البارد على الظمأ.

وإليكم بعض الشواهد والأمثلة، على صدق هذه المحبة، لقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام فقال: يارسول الله، متى الساعة ؟ فقال: (( وما أَعْدَدْتَ لها؟ )) فقال الرجل: ما أعددتُ لها من كثيرِ صلاةٍ ولا صيامٍ ولا صدقةٍ. ولكني أُحبُّ اللهَ ورسُولَه. فقال الرسولُ  (( أنتَ مع من أحببت )). ثم قال أنس: إني أيضاً أحب النبي  وأبابكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم في الجنة([8]).

وهذه السيدةُ عائشةُ رضي الله عنها تقولُ([9]): جاء رجلٌ إلى النبي  فقال: يارسولَ اللهِ إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إليَّ من أهلي ومالي، وإنك لأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرُك، فما أصبرُ حتى آتي فأنظرَ إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتَك عرفتُ إذا دخلتُ الجنة رُفعتَ مع النبيين، وأني إذا دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد عليه النبي  شيئاً حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله تعـالى: ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِـمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُـنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا( ([10]). وهـذا بلال الحبشي مؤذن رسول الله  ، منذ آمن مفطوراً على حب النبي الكريم  ، فلما جاءه ملك الموت، سمع بعضَ أهله يقول: واكرباه، فإذا ببلال يقول: واطرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه([11]). هكذا رضي الله عنه عَبَّرَ عنِ الموتِ بأَنَّهُ جسرٌ ينتقلُ فيه المحبُّ إلى محبوبِهِ، والعاشقُ إلى معشوقِهِ، والفاني إلى من فني في حبه. وصدق رسول الله  إذ يقول: (( ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما. وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّهُ إلا لله. وأن يكرَهَ أن يعودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أن يُقْذَفَ في النار ))([12]).

أيها المؤمنون، إن محبةَ رسول الله  تتجلى في طاعتِهِ، واقتفاءِ آثاره وآدابه وسُنَنِهِ، واحترامِ حديثِهِ، وعدمِ رفعِ الصوتِ عندَ مقامِهِ في حياتِهِ وبعدَ انتقالِهِ إلى الرفيقِ الأعلى امتثالاً لقول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (([13]). ومحبـةُ سيدنا رسـولِ الله  تكون أيضاً في تحكيمِهِ وتحكيمِ شريعتِهِ في جميع مجالاتِ الحياةِ، حتى لا نكونَ كالذين يؤمنونَ ببعضِ الكتابِ ويكفرون ببعضٍ، قال الله تعالى : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (([14]). فعلى هذا الطريقِ ثبتَ السالكون، وعلى هذا المبدأ قاتل الصحابةُ والتابعون، وملؤوا الأرضَ قرابينَ وشهداءَ، فدانَتْ لهمُ ْملوكُ الأرض.

أخي المسلم عليك بسلوك هذا السبيل القويم، ولا تحزنْ لقلَّةِ السالكين، وإياك أن تسلكَ طُرُقَ الغِوايَةِ، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين.

ومحبَّةُ رسول الله  تكون أيضاً باحترامِ صحابتِهِ وأزواجِهِ وآل بيتِهِ وذريته الذين أثنى الله عليهم بقوله: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (([15]). وبقوله عز وجل: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (([16]). ويقول الله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيْدُ الله ليُذْهِبَ عَنْكمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً ) ومحبة رسول الله  تكون أيضاً بكثرةِ الصلاةِ والسلامِ عليه، امتثالاً لأمرِ اللهِ تعالى حيثُ يقول: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (([17]).

فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في السرِّ والعلانيةِ، وتوبوا إليه واستغفروه إنه كان غفاراً، اتقوا الله واعلموا أن المرءَ يُحْشَرُ مع من أحبَّ، والرجل على دينِ خليلِهِ فليَنْظُرْ أحدُكُمْ من يُخَالِلُ، فاجعلوا رسولَ الله  حبيبَكم وخليلَكم، وذلك بأن تؤمنوا بدعوته، وتتخلقوا بأخلاقِهِ وأن تستسلموا لأحكام دينه: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ(([18]). وقال جل شأنه وتقدست أسماؤه: ) وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (([19]). إنَّ في ذلكَ لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمعَ وهو شهيد.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين.‍‍
-----------------------------------------------------------------------
[1] - سورة التوبة، الآية (128).
[2] - سورة الأنبياء، الآية (107).
[3] - سورة الأحزاب، الآية (6).
[4] - رواه البخاري ومسلم.
[5] - رواه رواه البخاري.
[6] - سورة آل عمران، الآية (32،31).
[7] - عزاه النووي إلى نصر بن إبراهيم المقدسي في الحجة وصححه، وعزاه ابن حجر في الفتح إلى الحسن بن سفيان
ووثق رجاله.
[8] - أخرجه البخاري ومسلم.
[9] - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ووثق رجاله.
[10] - سورة النساء، الآية (69).
[11] - ذكره اليافعي في مرآة الجنان، والذهبي في سير أعلام النبلاء، والقشيري في الرسالة، وابن خلكان في ( الوافي
بالوفيات ) وابن الجوزي في اللطائف.
[12] - أخرجه البخاري ومسلم.
[13] - سورة الحجرات، الآية (4.3.2).
[14] - سورة النساء، الآية (65).
[15] - سورة الفتح، الآية (29).
[16] - سورة الفتح، الآية (18).
[17] - سورة الأحزاب، الآية (56).
[18] - سورة النساء، الآية (80).
[19] - سورة الحشر، الآية (7).

بنت الاسلام
07-06-2010, 11:22 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

بنت غريان
08-06-2010, 09:34 AM
بارك الله فيك على طرحك القيم .