المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة جمعة بعنوان الخلافات الاجتهادية لا يجوز أن تكون سبباً للنـزاع


algalhud77
01-01-2007, 09:46 AM
مأخوذة الخطبة من موقع أوقاف دبي
الخلافات الاجتهادية لا يجوز أن تكون سبباً للنـزاع
أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن سيدَنا ونبينا محمداً عبده ورسولُه، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلِّم وباركْ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أوصيكم – أيها المسلمون - ونفسي المذنبةَ بتقوى الله تعالى.
أما بعد، فيا عباد الله:
تعلمون أن الإسلام يُحارَبُ اليوم محاربةً شديدة لاهوادة فيها، لعل التاريخ البعيد والقريب لم يشهد عدواناً متجهاً إلى الإسلام والمسلمين كما هي الحال في هذا العصر اليوم.
ينبغي أن نعلم جميعاً أيها الإخوة أن السلاح الأمضى والأشد فتكاً الذي يُحارب به الإسلام والمسلمون في هذا العصر إنما هو سلاح التفريق، سلاح التمزيق، تمزيق الأمة الإسلامية، وتحويلها إلى مِزَقٍ وشتات.
أما القادة فسبيل التفريق فيما بينهم هو الأمور السياسية التي تبعث فيما بينهم أسباب التفرق والخصام، وأما الأمة الإسلامية فإن سبيل التفريق فيما بينها هي استثارة أسباب التفرق والتنازع عن طريق الخلافات الدينية، قادة المسلمين تُبعث فيما بينهم أسباب التفرق والتخاصم بالوسائل السياسية المتنوعة، أما القاعدة الشعبية التي تمثل الأمة الإسلامية فإن الوسيلة لهذا السلاح الأمضى هي استثارة التفرق والتنازع عن طريق الخلافات الدينية المختلفة. ينبغي على كل مسلم مخلص لله عز وجل صادق في إسلامه أن يعلم هذه الحقيقة.
ولننظر – أيها الإخوة – إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، فإن القرآنَ الكريم يحذر من النتائج السئة التي قد يفرزها الاختلاف، إنه يحذر من التفرق، ويحذر من التنازع الذي قد يفرزه الاختـلاف الديني, اقرؤوا قول الله سبحانه وتعالى:) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا(([1]). لم يقل ولا تختلفوا . واقرؤوا إلى قوله تعالى: ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(([2]). أرأيتم كيف يتم تركيز في كتاب الله عز وجل على عدم التفرق والتنازع؟ وكيف تم التحذير فيهما وبيان خطورتهما دون النهي عن الاختلاف في الأمور الاجتهادية الدينية.
الرعيل الأول من المسلمين وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم وعَوْا هذه الحقيقة، وكان اختلافهم محصوراً في المسائل الاجتهادية الدينية، وكانوا في ذلك حراساً لقلوبهم محافظين صلة القربى والأخوة الإسلامية القائمة فيما بينهم، فلم يُفْسِد الاختلاف الاجتهادي في المسائل الدينية للوُدِّ قضية قط، ولم يكن يوماً ما سبباً لتنازعٍ أو لتفرق بشكل من الأشكال، ولايتسع الوقت في هذا المقام لاستعراض نماذج كثيرة للاختلافات الاجتهادية التي وقعت في عصر الصحابة بل في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم في عصر التابعين ومن تبعهم. خلافات اجتهادية كثيرة ظهرت، كل استند إلى ما فهمه من مصادر دين الله سبحانه وتعالى القرآن والسنة، فاتخذ من الاجتهاد الذي تمسك به ونحا إليه وسيلة تعبدَّ بها ربه، ولئن اختلفت الاجتهادات فيما بينهم في مسائل جزئية كثيرة فإن جذع التعبد لله سبحانه وتعالى جمع بينهم، كل يطرق باب استرضاء الله سبحانه وتعالى فيما فهم، اختلفوا في الجزئيات لكنهم اتحدوا في الهدف، والهدف هو الوصول إلى رضى الله سبحانه وتعالى، الهدف الوصول إلى أجرٍ ادخره الله عز وجل للمجتهدين في الدين، فإما أن يكون أجراً مضاعفاً، أو أن لايكون مضاعفاً، كل وضع نصب عينيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد))، والمقصود بالحاكم في الحديث هو العالم المجتهد. لقد كان الرعيل الأول رقباء على قلوبهم، وكانوا رقباء على صلة الأخوة الإسلامية التي عقد الله جل جلاله رباطها فيما بينهم، فلم تنقطع هذه الصلة قط بسبب تلك الاختلافات الاجتهادية، واستمر الأمر على هذا المنوال. ولعلكم تعلمون – أيها الإخوة – أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم نادى في أصحابه ألا لايصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، واتجه الصحابة جميعاً لينفذوا أمر رسول الله، اتجهوا إلى بني قريظة، ولكنَّ فئة منهم لم تستطع الوصول إلى بني قريظة في الوقت الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتذاكروا فيما بينهم أيصلون العصر في الطريق كي لاتفوتهم صلاة العصر، أم يؤخرون الصلاة وإن فاتت كي لايخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ تذاكروا فاختلفوا فمنهم من أصر على أن يصليها في الطريق مُحْتَجًّا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قصد الإسراع، ومنهم من أصر على أن لايصليها تنفيذاً لحرفية الأمر الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندما وصل الجميع إلى بني قريظة وعرف المصطفى صلى الله عليه وسلم خلافهم هذا لم يعنف بشكل من الأشكال أحداً منهم لأن اختلافهم هو اختلافٌ اجتهادي مشروع، فكلا الفريقين كان يريد وجه الله سبحانه وتعالى، ولقد ظلّ المصطفى صلى الله عليه وسلم حريصاً على ألا يكون الاختلاف في الأمور الدينية سبباً للتنازع والتفرق، والخصام والتدابر.
لقد وعى ذلك الرعيل الأول وصية كتاب الله عز وجل، ووصية المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وساروا على هذا المنوال، أما اليوم ونحن نرى هذه الحرب الضروس، التي يتجه بها الكائدون للإسلام والحاقدون عليه إلى المسلمين في كل صقع من أصقاعهم، ننظر فنجد أن أعداء هذا الدين يرون نقطة ضعف عظيمة في حياتنا نحن اليوم، وهي أن كثيراً من المسلمين يقتاتون على هذه الخلافات الاجتهادية، يجعلون من هذه الاختلافات الاجتهادية غذاءً لأنانياتهم، وغذاءً لمقارعة آرائهم المذهبية فيتباهى كلٌّ بما انتهى إليه من علم لم يبلغه الطرف الآخر، وهكذا نظر العدو فرأى أن الاختلافات الاجتهادية بين المسلمين يمكن تحويلها إلى سبب من أخطر أسباب الشقاق، فتمسك العدو بهذه النقطة، وركز على هذا الضعف الذي وقع فيه المسلمون، وأخذ ينفخ في هذه الظاهرة المرضية التي مُني بها المسلمون اليوم، والتي ابتلى بها المسلمون كما لم يبتلَ إسلامهم بشيءٍ من هذا من قبل إطلاقاً، خلافات موسمية وغير موسمية، تمر في كل عام بالمسلمين، السلف الصالح وقف عند بعض منها ولم يقف عند كثير منها، ولكنها في كلا الحالين لم تقطع صلة القربى بينهم، لم تمزقهم، لم تُثر أسباب خصام أو تنازع أو فرقة فيما بينهم بشكل من الأشكال، ظلوا نزَّاعين إلى الهدف ألا وهو بلوغ مرضاة الله، ظل كل فريق منهم يُعذر الفريق الآخر لأنه لايبتغي بذلك تفوقاً على صاحبه، وإنما يبتغي أن يصل إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، ولكن هذه الاختلافات اليوم تحولت إلى بؤرة في حياة كثير من المسلمين، تفور بنتائج حذر الله عز وجل منها، تفور بنتائج الخصام، بنتائج التفرق الذي نهى الله عز وجل عنه، تفور بنتائج التنازع الذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه.
عندما تمر بالمسلمين مناسبة هذه الذكرى ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم تهب رياح الاختلاف في مشروعية الاحتفاء والاحتفال بذكرى مولد حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والخلاف في هذا ليس مشكلاً أيها الإخوة، عليك أن تتبع الرأي الذي يسكن إليه قرارك العلمي ولاحرج، ولاحرج. ولكن المصيبة الكبرى أن تجعل من هذا مطية ذلولاً لإرواء أنانيتك، للتعالي برأيك على الآخرين، ولتسفيه رأي الآخرين، وستمر هذه المناسبة لتأتي مناسبة موسمية أخرى، الاحتفاء بليلة النصف من شعبان، أهو مشروع أو غير مشروع؟ هل قيام تلك الليلة أمرٌ بدْعي أم أمر غير بدْعي؟ لاحرج في الخلاف في هذا، خلاف يمكن أن يتفرع عن رؤية علمية لاأتفق معك ولاتتفق معي فيها، لكن عندما يكون هدفك رضاء الله، ويكون هدفي الوصول أيضاً إلى رضا الله، لاإشكال في هذا لأننا جميعاً نتوخَّى هدفاً واحداً، ولكن الواقع أن هذا الاختلاف قد تحول إلى سبب من أسباب تغذية الذات، سبب من أسباب التعالي على الآخرين، سبب من أسباب التسفيه، التبديع، والتضليل ونحو ذلك. ويأتي بعد ذلك الموسم الآخر يأتي شهر رمضان، وتهب الاختلافات الموسمية التي تنطوي في آخر الشهر، ثم تعود لتنشر مرة أخرى في أول هذا الشهر المبارك، كم هي ركعات التراويح المشروعة؟ أهي ثمان؟ أم أكثر؟ أم عشرون؟ فنجد أن هذا الاختلاف تحول فجأة وبدون موجب إلى سبب من أسباب التبديع، إلى سبب من أخطر أسباب الخصام، إلى سبب من أخطر أسباب التنازع والشقاق، وهكذا. هنالك خلافات تهب رياحها في مواسم وهناك خلافات مستمرة مستمرة دائماً.
ما الذي ينبغي أن نعلمه ونحن مسلمون والمفروض أننا نتوخى الإخلاص لوجه الله، فلانبتغي إلا الوصول إلى مرضاة الله عز وجل، إن علينا أولاً أن نعلم أن عدونا الشرس يستعمل هذا السلاح، سلاح التفريق، يفرق بين قادة المسلمين بالوسائل السياسية التي لاشأن لنا بالحديث عنها الآن، ويفرق بين المسلمين والأمة الإسلامية عن طريق تحويل مسائل الخلافات الاجتهادية إلى سلاح فتاك يُقَطِّع صلة القربى بين المسلمين، اعتماداً على نقطة الضعف هذه، اعتماداً على هذا المرض الذي يعاني منه المسلمون اليوم. إن الوعي الإسلامي الذي يكون نتيجة هدف واحد لاثاني له ألا وهو الوصول إلى مرضاة الله عز وجل والتحقق بقوله سبحانه وتعالى: ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (([3]). يقتضي منا لاسيما في هذا المنعطف الأخير الذي نمر به ألا نجعل من هذه المسائل الاجتهادية رياحاً تهب بأعاصير الاختلافات والشقاق بين المسلمين.
وإذا سُئلتم عن أمر من هذه الأمور فقولوا: إنه أمر اجتهادي، إلى أي نتيجة وصل المسلم فهو مأجور عند الله عز وجل، فإن أراد هذا السائل أن يركز فاعلموا أنه إنسان أرسل بمهمة من أجل أن يقطع صلة القربى والأخوة الإسلامية بين المسلمين، إياكم ثم إياكم إذا سُئلتم عن مشروعية الاحتفال بالمولد، أو سئلتم عن التراويح وعدد ركعاتها, أو عن الصلاة على رسول الله بعد الآذان، أو سئلتم عن التوسل بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ، أن تخوضوا في ذلك بما لايفيد ولايجدي. وإني لأسأل الله عز وجل أن يلهم هؤلاء الذين يرفعون ألوية الخلافات المذهبية المختلفة المتنوعة ثم يأبون إلا أن يجعلوا منها سبباً للنزاع، والشقاق، أسأل الله عز وجل أن يلهمهم رشدهم ويكرمهم بشحنة من الإخلاص لوجه الله عز وجل، وأن يوقظهم إلى أن المسلم لاينبغي أن يقتات على الاجتهادات الدينية ليجعل منها غذاء لأنانيته، إنها لجريمة كبرى أن أجعل من الخلافات الدينية سبباً للإستكبار على الآخرين، سبباً لمباهاتي عليهم، سبباً لتفوقي المذهبي عليهم، نحن اليوم – أيها الإخوة –نحارَب من هذه النقطة، فأين هم المسلمون المخلصون لدين الله عز وجل، فالمذاهب الاعتقادية المختلفة اليوم لاينبغي أن تكون سبباً لاستثارة نزاع، ولا المسائل الفقهية الاختلافية ينبغي أن تكون سبباً لخلاف، والذين يعكفون على شد هذا إلى مذاهبهم، أو شد ذاك إلى المذهب الآخر والنار التي ترونها تلتهم، والعدو الشرس يقضي على البقية الباقية من وحدتنا، هؤلاء ليسوا من دين الله عز وجل في شيء، هؤلاء يعبدون أنفسهم من خلال الإسلام الذي يتظاهرون بالتمسك به، فالمأمول من لطف الله عز وجل ورحمته أن يلهم الجميع سُبَلَ القضاء على أسباب التفرق والنـزاع الذي نهى الله عز وجل عنه، أما الاختلافات الاجتهادية فلقد اختلف الأئمة فيما بينهم، وكانوا مثال الحب، وكانوا مثال التضامن والتآلف، والوقت لايتسع لعرض صور ومشاهد تثير الإعجاب في هذا الصدد، فما لنا لانكون كسلفنا الصالح.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم...

[1] - سورة آل عمران، الآية (103).
[2] - سورة الأنفال، الآية (46).
[3] - سورة الأنفال، الآية (46).

بنت الاسلام
30-05-2010, 12:57 AM
جزاك الله كل خير على هذا النقل


وتنقل هذه الخطبة الى المجلس المناسب

بنت غريان
31-05-2010, 09:07 AM
بارك الله فيك .