algalhud77
01-01-2007, 09:48 AM
الخطبة منقولة من موقع أوقاف دبي
زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
الحمد لله ذي الجلال والإكرام،واسع الفضل والإنعام، مفيضِ الخيرات على عباده المؤمنين، ثم أفضل الصلاة وأكمل التسليم على صاحب الخلُقِ العظيم وآله وصحبه ذوي الأصل الكريم والدين القويم، اللهم كما رفعت في الدنيا والآخرة ذكره بارك لمن صلى في مسجده وزارَ قبره، وارزقنا في الآخرة وإياهم شفاعتَهُ وبرَّهُ، نشهد أنك أنت الله وأن نبيكَ محمداً رسولُ الله صلى الله عليه وسلم .
أوصيكم –عباد الله- بتقوى الله )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ(([1]) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إِلَيهِ الوَسِيلةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِه لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ(([2]). وعلموا يا عباد الله أن من أعظمِ الوسائلِ إلى رضوان الله، الصلاةَ عند بيته العتيقِ وفي مسجد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وزيارة قبرهِ الشريف وروضته الشريفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((صلاة في مسجدي أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجدَ الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه))([3]).
وقد روى الإمام مالك والبخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)).
وروى الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: ((رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر))
وقد روى بسند صحيح أنه([4]) ( سأل رجلٌ –مولى ابن عمر- نافعاً فقال: هل كان عبد الله بن عمر يسلم على القبر؟ فقال: نعم لقد رأيته مائة أو أكثر من مائة مرة كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول: السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي)، والصلاة عليهم هي الدعاء، والسلام عليهم تحية ودعاء، وقد كان ابن عمـر –رضي الله عنهما- يزور النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ويسلم عليهم ويدعو لهم أمام كل الموجودين من الصحابة والتابعين دون أن يعارضه أحد منهم لذلك قال العلماء([5]) (زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة مرغب فيها وسنة مجمع عليها) ويستند هذا الإجماع إلى ما رواه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((زوروا القبور فإنها تذكر الموت)) قال العلماء([6]) (وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعةً فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى) وبهذا الحديث يتقوى الحديثُ الذي جاء في زيارته صلى الله عليه وسلم خصوصاً: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي))([7])، فقد صححه وحسنه بعض العلماء وضعفه بعضهم لأن زيارته صلى الله عليه وسلم من جملة الزيارة المأمور بها في حديث مسلم، وروى الحاكم في المستدرك حديثاً صححه وأقره الذهبي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ليهبطنَّ عيسى بنُ مريم حَكَماً عدلاً وإماماً مقسطاً، وليسلكن فجاً حاجاً أو معتمراً أو بنيتهما، وليأتين قبري حتى يسلمَ علي ولأرُدَّنَّ عليه)) وزيارته صلى الله عليه وسلم لها أحكام وآداب اهتم أئمة الإسلام ببيانها.
قال الإمام النووي –رحمه الله-([8]): (اعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهم القرباتِ وأنجحِ المساعي فإذا انصرفَ الحجاجُّ والمعتمرون من مكة استُحِبَّ لهم استحباباً مؤكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وسلم وينوي التقربَ وشدَّ الرحلِ إليه والصلاة فيه) أي في مسجده، وقالوا:[9] (من كان قصدُهُ السفر إلى مسجده وقبره معاً فهذا قد قصد مستحباً مشروعاً بالإجماع).
ويستحب للحجاج والمعتمرين القادمين إلى المدينة المنورة أن يكثروا من زيارته صلى الله عليه وسلم قال الإمام مالك –رضي الله عنه- [10]: (ليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء) وقال أيضاً:[11] (إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة) لكن يقف عند القبر بعد صلاة تحية المسجد في الروضة وقال الإمام أحمد بن حنبل –رضي الله عنه- ([12]) ( ثم ائت الروضةَ وهي بين القبر والمنبر فصلِّ فيها وادعُ بما شئت ثم ائت قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله أشهد أن لا إلا الله وأشهد أنك رسولُ الله، وأشهد أنك بلَّغت رسالةَ ربك ونصحت لأمتك وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورفَعَ درجتَكَ العليا وتقبلَ شفاعتَك الكبرى وأعطاك سؤلَكَ في الآخرة والأولى كما تقبل من إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا على سنته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً).
واعلم –أخي المسلم- أن زيارة شـهداء أحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسـلم أنه (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات) فهذه زيارة معها الصلاة عليهم، قال الله تعالى: )لَقَدْ كَانَ لَكُم فِي رَسـُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ(([13])
وكان من سنته صلى الله عليه وسلم زيارةُ أهلِ البقيعِ وفيهم أهلُ بيتِهِ وأزواجُهُ وكثيرٌ من أصحابه فقد روى الإمام مسلم عن عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فإن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين)) وروى مسلم عن بريدة –رضي الله عنه: ((أَسْأَلُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ))
فهذا([14]) ونحوه مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به أمته عند قبور المسلمين عقب الدفن وعند زيارتهم والمرور بهم إنما هو تحيةٌ للميتِ كما تتم تحية الحي، ودعاءٌ له كما يُدعى له إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده وفي ضمن الدعاء للميت دعاء الحيِّ لنفسِهِ ولسائرِ المسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلين ولسائر المسلمين وتخصيص الميت بالدعاء له فهذا كله وما كان مثله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون هو المشروع للمسلمين وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
واعلم –أيها الأخ المسلم- أن في سلامك على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً عظيماً فقد روى أبو داود عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي،حتى أَرُدَّ عليه السلامَ))([15])، والسلام معناه الأمان والسلامة، فإذا ردَّ عليك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سلامَكَ فقد دعا لك بالسلامة العامة والأمان المطلق فهل ينال الإنسانَ غنيمةٌ أعظم من ذلك، وكذلك يرد عليك شهداء أحد وأهلُ بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابتُهُ حين تزورُهُمْ في البقيع فتسلم عليهم، وقد روي حديث صححه ابنُ عبدِ البر أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما مِنْ رجلٍ يمرُّ بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد السلام))، واحرص –أخي المسلم- على الإكثار من الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين فريضة أو أقل أو أكثر فكلما زدتَ كان خيراً لك، واحرص على الصلاة في مسجد قباء فقد روى البخاري ومسلم ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت))، وروى الترمذي بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الصلاة في مسجد قباء كعمرة))، وحافظ على الآداب النبوية في المدينة إلى أن تخرج منها، قال الإمام أحمد بن حنبل: ( فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصل ركعتين وودِّعْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول وسلم على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- وحَوِّل وجهَكَ إلى القبلةِ وسلِ اللهَ حاجتَكَ متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تقض من الله).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على من أخرجنا الله به من الظلمة، وهدانا به فعلمنا الكتاب والحكمة، ونجانا به من النقمة وعلى آله وأصحابه قدوة الأمة، وعلى سائر الأئمة الثقات المرضيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فقد علمونا الفرائض والأحكام والسنن واجتناب المعاصي والبدع، وأَدّبونا في الزيارة بآداب الله ورسوله فمن اعترض علينا قلنا هكذا فهم الأئمة المرضيون، ونحن اتبعناهم امتثالاً لقول الله تعالى: )فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ( إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، ونحن مثلهم لأننا بأمر الله اتبعناهم.
اللهم اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم تقبل منا صلاتنا وزيارتنا واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، واعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكة عرشه وقدسه قال تعالى ولم يزل قائلاً عليماً وآمراً حكيماً، )إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ورضي الله عن الخلفاء الراشدين ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وعن بقية الآل والصحابة والأهل والأزواج والقرابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين …. الدُّعاء.
[1] - سورة آل عمران الآية (102)[2] - سورة المائدة، الآية (35).
[3] - أخرجه البخاري ومسلم.
[4] - انظر كتاب اقتضاء الصراط المستقيم- تأليف ابن تيمية (2/668)
[5] - انظر الشفا للقاضي عياض، وفتاوى ابن تيمية (27/231-292)
[6] - انظر فتاوى ابن تيمية (27/331)
[7] - انظر تلخيص الحبير لابن حجر.
[8] - انظر المجموع للنووي. (8/272).
[9] - انظر كتاب استحباب زيارة خير البرية لابن تيمية ص200
[10] - كتاب الشفا للقاضي عياض (2/88) نقلاً عن كتاب المبسوط للقاضي إسماعيل.
[11] - كتاب الشفا للقاضي عياض (2/85) نقلاً عن كتاب المبسوط للقاضي إسماعيل.
[12] - انظر كتاب استحباب زيرة خير البرية لابن تيمية ص405
[13] - سورة الأحزاب الآية (21)
[14] - انظر اقتضاء الصراط المستقيم (2/668)
[15] - صحيح على شرط مسلم
زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
الحمد لله ذي الجلال والإكرام،واسع الفضل والإنعام، مفيضِ الخيرات على عباده المؤمنين، ثم أفضل الصلاة وأكمل التسليم على صاحب الخلُقِ العظيم وآله وصحبه ذوي الأصل الكريم والدين القويم، اللهم كما رفعت في الدنيا والآخرة ذكره بارك لمن صلى في مسجده وزارَ قبره، وارزقنا في الآخرة وإياهم شفاعتَهُ وبرَّهُ، نشهد أنك أنت الله وأن نبيكَ محمداً رسولُ الله صلى الله عليه وسلم .
أوصيكم –عباد الله- بتقوى الله )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ(([1]) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إِلَيهِ الوَسِيلةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِه لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ(([2]). وعلموا يا عباد الله أن من أعظمِ الوسائلِ إلى رضوان الله، الصلاةَ عند بيته العتيقِ وفي مسجد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وزيارة قبرهِ الشريف وروضته الشريفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((صلاة في مسجدي أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجدَ الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه))([3]).
وقد روى الإمام مالك والبخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)).
وروى الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: ((رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر))
وقد روى بسند صحيح أنه([4]) ( سأل رجلٌ –مولى ابن عمر- نافعاً فقال: هل كان عبد الله بن عمر يسلم على القبر؟ فقال: نعم لقد رأيته مائة أو أكثر من مائة مرة كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول: السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي)، والصلاة عليهم هي الدعاء، والسلام عليهم تحية ودعاء، وقد كان ابن عمـر –رضي الله عنهما- يزور النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ويسلم عليهم ويدعو لهم أمام كل الموجودين من الصحابة والتابعين دون أن يعارضه أحد منهم لذلك قال العلماء([5]) (زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة مرغب فيها وسنة مجمع عليها) ويستند هذا الإجماع إلى ما رواه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((زوروا القبور فإنها تذكر الموت)) قال العلماء([6]) (وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعةً فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى) وبهذا الحديث يتقوى الحديثُ الذي جاء في زيارته صلى الله عليه وسلم خصوصاً: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي))([7])، فقد صححه وحسنه بعض العلماء وضعفه بعضهم لأن زيارته صلى الله عليه وسلم من جملة الزيارة المأمور بها في حديث مسلم، وروى الحاكم في المستدرك حديثاً صححه وأقره الذهبي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ليهبطنَّ عيسى بنُ مريم حَكَماً عدلاً وإماماً مقسطاً، وليسلكن فجاً حاجاً أو معتمراً أو بنيتهما، وليأتين قبري حتى يسلمَ علي ولأرُدَّنَّ عليه)) وزيارته صلى الله عليه وسلم لها أحكام وآداب اهتم أئمة الإسلام ببيانها.
قال الإمام النووي –رحمه الله-([8]): (اعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهم القرباتِ وأنجحِ المساعي فإذا انصرفَ الحجاجُّ والمعتمرون من مكة استُحِبَّ لهم استحباباً مؤكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وسلم وينوي التقربَ وشدَّ الرحلِ إليه والصلاة فيه) أي في مسجده، وقالوا:[9] (من كان قصدُهُ السفر إلى مسجده وقبره معاً فهذا قد قصد مستحباً مشروعاً بالإجماع).
ويستحب للحجاج والمعتمرين القادمين إلى المدينة المنورة أن يكثروا من زيارته صلى الله عليه وسلم قال الإمام مالك –رضي الله عنه- [10]: (ليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء) وقال أيضاً:[11] (إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة) لكن يقف عند القبر بعد صلاة تحية المسجد في الروضة وقال الإمام أحمد بن حنبل –رضي الله عنه- ([12]) ( ثم ائت الروضةَ وهي بين القبر والمنبر فصلِّ فيها وادعُ بما شئت ثم ائت قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله أشهد أن لا إلا الله وأشهد أنك رسولُ الله، وأشهد أنك بلَّغت رسالةَ ربك ونصحت لأمتك وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورفَعَ درجتَكَ العليا وتقبلَ شفاعتَك الكبرى وأعطاك سؤلَكَ في الآخرة والأولى كما تقبل من إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا على سنته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً).
واعلم –أخي المسلم- أن زيارة شـهداء أحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسـلم أنه (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات) فهذه زيارة معها الصلاة عليهم، قال الله تعالى: )لَقَدْ كَانَ لَكُم فِي رَسـُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ(([13])
وكان من سنته صلى الله عليه وسلم زيارةُ أهلِ البقيعِ وفيهم أهلُ بيتِهِ وأزواجُهُ وكثيرٌ من أصحابه فقد روى الإمام مسلم عن عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فإن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين)) وروى مسلم عن بريدة –رضي الله عنه: ((أَسْأَلُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ))
فهذا([14]) ونحوه مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به أمته عند قبور المسلمين عقب الدفن وعند زيارتهم والمرور بهم إنما هو تحيةٌ للميتِ كما تتم تحية الحي، ودعاءٌ له كما يُدعى له إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده وفي ضمن الدعاء للميت دعاء الحيِّ لنفسِهِ ولسائرِ المسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلين ولسائر المسلمين وتخصيص الميت بالدعاء له فهذا كله وما كان مثله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون هو المشروع للمسلمين وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
واعلم –أيها الأخ المسلم- أن في سلامك على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً عظيماً فقد روى أبو داود عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي،حتى أَرُدَّ عليه السلامَ))([15])، والسلام معناه الأمان والسلامة، فإذا ردَّ عليك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سلامَكَ فقد دعا لك بالسلامة العامة والأمان المطلق فهل ينال الإنسانَ غنيمةٌ أعظم من ذلك، وكذلك يرد عليك شهداء أحد وأهلُ بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابتُهُ حين تزورُهُمْ في البقيع فتسلم عليهم، وقد روي حديث صححه ابنُ عبدِ البر أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما مِنْ رجلٍ يمرُّ بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد السلام))، واحرص –أخي المسلم- على الإكثار من الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين فريضة أو أقل أو أكثر فكلما زدتَ كان خيراً لك، واحرص على الصلاة في مسجد قباء فقد روى البخاري ومسلم ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت))، وروى الترمذي بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الصلاة في مسجد قباء كعمرة))، وحافظ على الآداب النبوية في المدينة إلى أن تخرج منها، قال الإمام أحمد بن حنبل: ( فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصل ركعتين وودِّعْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول وسلم على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- وحَوِّل وجهَكَ إلى القبلةِ وسلِ اللهَ حاجتَكَ متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تقض من الله).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على من أخرجنا الله به من الظلمة، وهدانا به فعلمنا الكتاب والحكمة، ونجانا به من النقمة وعلى آله وأصحابه قدوة الأمة، وعلى سائر الأئمة الثقات المرضيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فقد علمونا الفرائض والأحكام والسنن واجتناب المعاصي والبدع، وأَدّبونا في الزيارة بآداب الله ورسوله فمن اعترض علينا قلنا هكذا فهم الأئمة المرضيون، ونحن اتبعناهم امتثالاً لقول الله تعالى: )فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ( إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، ونحن مثلهم لأننا بأمر الله اتبعناهم.
اللهم اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم تقبل منا صلاتنا وزيارتنا واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، واعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكة عرشه وقدسه قال تعالى ولم يزل قائلاً عليماً وآمراً حكيماً، )إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ورضي الله عن الخلفاء الراشدين ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وعن بقية الآل والصحابة والأهل والأزواج والقرابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين …. الدُّعاء.
[1] - سورة آل عمران الآية (102)[2] - سورة المائدة، الآية (35).
[3] - أخرجه البخاري ومسلم.
[4] - انظر كتاب اقتضاء الصراط المستقيم- تأليف ابن تيمية (2/668)
[5] - انظر الشفا للقاضي عياض، وفتاوى ابن تيمية (27/231-292)
[6] - انظر فتاوى ابن تيمية (27/331)
[7] - انظر تلخيص الحبير لابن حجر.
[8] - انظر المجموع للنووي. (8/272).
[9] - انظر كتاب استحباب زيارة خير البرية لابن تيمية ص200
[10] - كتاب الشفا للقاضي عياض (2/88) نقلاً عن كتاب المبسوط للقاضي إسماعيل.
[11] - كتاب الشفا للقاضي عياض (2/85) نقلاً عن كتاب المبسوط للقاضي إسماعيل.
[12] - انظر كتاب استحباب زيرة خير البرية لابن تيمية ص405
[13] - سورة الأحزاب الآية (21)
[14] - انظر اقتضاء الصراط المستقيم (2/668)
[15] - صحيح على شرط مسلم