المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشعر ديوان العرب للأستاذ فرج ونيس


algalhud77
02-12-2006, 07:43 AM
إن الشعر متعة الأديب ، وذوق البلاغي ، وحجة المفسر ، وسند الأصولي ، ودليل الفقيه ، وشاهد النحوي ، ووثيقة المؤرخ ، وخارطة الجغرافي ، ثم هو من قبل ومن بعد بوح العاشق ، ونفثة المصدور ، وحنين الغريب ، وأنين الفاقد ، وبهجة الواجد ، ومرثية العزيز ، وآهة الملتاع ، وتجربة الحكيم .
استودعه العربي أسرار حياته واستراح إليه ، فأفضى إليه بمواجعه ، وبثه أشواقه ، وقيد به المآثر ، وحفظ به الأنساب ، واستنفر به العزائم ، واستنهض به الهمم ، وسجل به العادات والتقاليد ، وذكر به الأيام ، وقد صحبه في غدوه ورواحه ، فحدا به ركوبته ، وآنس به حلوبته ، ووصف به أرضه وسماءه ، ونباته ونخيله ، وسهوله ووديانه وجباله ، ومياهه وحيوانه .
أليس هو ديوان العرب وترجمان أفكارهم والمرآة الصادقة لحياتهم ؟ .
فلولاه لأمسى تاريخهم في طي الكتمان ، وهو الذي حفظ مجدهم الأدبي الذي تاهوا ولا يزالون يتيهون به على الشعوب والأمم ، ويرفعون به الرأس عاليـا ، وهو مجلى قدرتهم على البيان وسحره ، وإنه ليعجبك أن تروض نفسك بفهم أسرار هذا البيان ، فإذا أنت تستزيد وتستزيد ، ولا يفارقك العجب منه والإكبار له ، وأن تغرم به غراما ما فوقه غرام .
ولم يودع هذا الشعر جدران المعابد ولفائف البردى كتراث اليونان وقدماء المصريين ، بل وعته صدور الرواة والنقلة ، وسلمته أجيال إلى أجيال ، حتى أظل زمان التدوين ، وأخذ الشعر حظه منه .
ومعلوم أن رواة الشعر قد استعملوا الضوابط الصارمة من حيث القبول والرد والتقوية والتضعيف ، فخضعت رواية الشعر والأدب لتسلسل الإسناد .
وقد أخذ جمع الشعر العربي صورا متعددة ، منها :
1- جمع شعر شاعر بعينه وشرحه كما صنع الأصمعي في شعر العجاج وابن السكيت في شعر النابغة وثعلب في شعر زهير وابنه كعب .
2- جمع الشعر الخاص ببيئة واحدة مثل المعلقات .
3- جمع الشعر على أساس قبلي مثل جمع شعر هذيل وشرحه للسكرى.
4- جمع الشعر على أساس فني يحكمه الذوق الأدبي الشخصي وهو المعروف بالاختيارات كالمفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب للقرشي ومختارات ابن الشجري .
5- جمع الشعر على أساس موضوعي كحماسة أبي تمام والبحتري وحماسة ابن الشجري .
6- جمع الشعر على أساس غرابة المعاني ودقتها ، ويسمون ذلك أبيات المعاني مثل أبيات المعاني لابن السكيت ، ومعاني الشعر للأشنانداني والمعاني الكبير لابن قتيبة .
وهذا يدلك على أن الشعر العربي قد جمع بعناية فائقة . إذا علمت هذا فدع عنك ما يتقوله بعض المحدثين من تشكيك في شواهد اللغة والنحو ؛ لأن الأوائل من جامعي اللغة وواضعي النحو لم يحفلوا كثيرا بتسمية قائل الشعر لقربهم من المنابع الأصلية الأولى بالرواية والتلقي والمشافهة ؛ ولذلك لم ينسب إمام النحاة ( سيبويه ) في كتابه إلا قدرا يسيرا من الشواهد الشعرية مع أن شواهده أصح الشواهد التي اعتمد عليها العلماء. إن كثيرا من الدارسين يخطئون حين يسرفون في تقسيم عصور الفكر الإسلامي إلى عصور نشاط وعصور انحطاط ؛ فمن يسرح نظره ببصيرة في كتب التاريخ والتراجم يروعه هذا الحشد الهائل من العلماء وطلاب المعرفة في المشرق والمغرب ، ولم يفضل عصر آخر إلا بما يكون من الفروق الهينة التي تفرضها طبيعة الزمان والمكان ، أما حركة العقل العربي فلم تخمد جذوتها ولم تسكن حدتها بتغير الظروف الزمنية والمكانية ، والدليل على ذلك ما شهده القرنان ( السادس والسابع الهجريان ) من كبار العلماء والمفكرين ، ولاجرم أن هذين القرنين قد شهدا أعنف هجوم تعرضت له الأمة الإسلامية مثل الحروب الصليبية والغزوة التترية ، وقد كاد هذا الهجوم الكاسح أن يقضي على الأمة لولا دفاع الله بما أودعه في روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار . أما ما تسمعه من ثرثرة حول الحروب والنكبات فذلك من التعلات الباطلة والكذب على النفس ، وتلك حجة يلجأ إليها الكسالى ضعاف الهمم .
فدعك من الدراسات الحديثة التي تعكس وجهات نظر أصحابها . واصبر نفسك مع الموسوعات من كتب التراث في فن التراجم . وليس كالتراجم كاشفا لتاريخنا الحضاري ومسيرتنا الثقافية مثل سير أعلام النبلاء للذهبي والوافي بالوفيات للصفدي وطبقات الشافعية الكبرى للإمام تاج الدين السبكي ، ونفح الطيب وأزهار الرياض للمقري والإحاطة لابن الخطيب الغرناطي والذخيرة لابن بسام ومعجم الأدباء لياقوت الحموي ويتيمة الدهر للثعالبي ووفيات الأعيان لابن خلكان وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي إلى غير ذلك من النفائس التي زخرت بها حضارتنا العربية الإسلامية الخالدة . فما عليك إلا أن تقرأ على مكث وتعطي نفسك حظها من التأمل والتدبر لترى أن علماءنا كانوا يعملون في الحل والترحال والمنشط والمكره والعسر واليسر ، بل إن بعضهم كان يبدع مع تزاحم العلل عليه وابتلائه بالأوصاب والأوجاع والصوارف ، وانظر كتاب مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي وكتاب الموجز في مراجع التراجم والبلدان ، كلاهما للأستاذ : محمود محمد الطناحى . لقد حيل بين طلبة العلم وبين الكتاب القديم ، وهذا أساس البلاء . إن هجر الكتاب القديم والاستعاضة عنه بالمذكرات والمختصرات قد حجب عن هذا الجيل نور العلم ، وكان من أخطر الأمور التذرع بالتسهيل والتيسير .
فقد تم للقوم ما أرادوا ، فكان الجهل المطبق والانسلاخ التام . والموصفون بالجهل والضعف هم نتاج المذكرات والمختصرات والتعصير والتحديث .
ولك ان تسأل : هل الحامل على ذلك هو الاستسهال أو أن هناك قوى خفية محركة ؟ ولقد كان من المأمول أن تصقل الدراسات العليا بعض النماذج وتردها إلى تراثها وتقوى فيها الإحساس بحب لغتها الشريفة .
ولكنها (( الدراسات العليا )) صارت امتدادا للسنوات الجامعية الأربع وإن أضيفت إليها ثرثرة أكاديمية جديدة حول المنهج العلمي والتفكير الموضوعي ، وقد أفضى هذا الأمر إلى الاشتغال بالنظريات ونبذ النصوص والآثار الأدبية فقها (( فهما )) ومحاكاة ، وأصبح حامل الماجستير والدكتوراه لسنا جدلا إذا أفاض في طرائق المنهج العلمي ونشأة المدارس العلمية والأدبية ، فإذا أخذته إلى سطر واحد مما كتبه الأولون سقط كل قناع وانكشف كل زيف ، وهجم بك على ما يؤذي سمعك من اللحن الظاهر والخفي والعجمة في نطق الأعلام والأنساب والكنى والألقاب .
إن إهمال النصوص الأدبية والاشتغال بالنظريات العلمية والمناهج الأكاديمية خطب عظيم ، وأنماط التعبير عند العرب مجهولة عند أكثر الذين أتقنوا نظريات علم الدلالة والأصوات .
أما الشعر الذي هو ديوان العرب وأشرف ما قالته العرب والذي هو مستودع ذخائر الحرف العربي ومجلى أسرار العربية الشريفة كلها فلا تسل عنه اليوم أحدا.
وكل هذا البلاء العظيم والشر الوبيل هو نتاج المناهج الحديثة التي تدرس بها لغتنا الشريفة الآن ، وكثير من الجاهلين قيمة هذه اللغة والحاقدين عليها يسخرون من اللغويين والنحاة العرب . فليتق الله الذين يبسطون أيديهم وألسنتهم بالسوء إلى هذه اللغة الفذة وتاريخها الحافل المجيد .
إن الإسراف في الدرس اللغوي بالطرائق الحديثة هو الذي أضعف إحساس أبنائنا بلغتهم الشريفة الصافية ، وهو الذي أركسهم في خضخاض اللحن والعجمة ، فلا يستطيعون البيان بألسنتهم ولا بأقلامهم ، فالدراسات النظرية قد أضاعت فرصة الإسهام في المجال التطبيقي الذي يتطلب جهودا صادقة في سبيل الوصول إلى نتائج علمية يحتاج إليها المتعلمون والباحثون جميعا .
إن حال اللغة العربية اليوم في خطر عظيم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . إن كثرة الوجوه الإعرابية والإفاضة في ذكر الأشباه والنظائر والاستطرادات والتقديرات والتنقل في ربوع الأدب العربي القديم كل ذلك هو الذي يصنع الملكة النحوية واللغوية ، ويثبت العربية قراءة وكتابة في نفوس أبنائها ، وهذا أمر يلاحظه كل من ورد الماء صافيا قبل أن تكدره الدلاء .
إن الدراسات الحديثة هي الطامة الكبرى على تراثنا الذي أصبح فريسة يتقاذفها الأدعياء من كل جانب ، وأغلب الجامعيين هم الذين جنوا على لغتنا الشريفة .

من غص داوى بشرب الماء غصته * فكيف يصنع من قد غص بالماء

إن القضاء على العربية هو حكم على الإسلام بالموت ، وقد عمل الاستعمار على دحرجة العربية إلى أسفل السلم التعليمي ، وجعل التخاطب بها مثار الاستهزاء ، وقد استعان على ذلك بوزرائه المستشرقين وحثالة من الساسة العرب الذين سقاهم كأسا دهاقا من سموم ثقافته . ومن المعهود في الإسلام أن علومه قسمان : وسائل ومقاصد . واللغة العربية مفتاح لفهم الوحي الإلهي ، فهي من القسم الأول . فمن مستلزمـات فهم الإسلام العلم بالعربية ؛ لأن لها دورا كبيرا في إدراك مقاصد القرآن الذي نزل بها ، ولأن الترجمة لا تغني عن تعلمها . هذا وقد لاحظ علماء النفس علاقة قوية بين التفكير والتعبير وقالوا : إن الألفاظ تتأثر بالمعاني والمعاني تتأثر بالألفاظ .
إن الهزائم النفسية والدينية التي محقت الشخصية العربية عند بعض الناس هي التي أهانت العربية . فالقرآن هو دستور الإسلام الخالد لا تعرف وقوفه ومعانيه إلا باللغة التي نزل بها ، قال مجاهد : لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوي عالم بالقراءات والتفسير ، عالم باللغة التي نزل بها القرآن . وقال ابن عبد السلام الفاسي : التمام يعز إلا على البصير الأعلم .
وسبب وضع الكتب في إحصاء المتشابهات عند المغاربة وكثرة العناية بضبط الكلمات هو فشو الأمية فيهم وجهلهم باللغة العربية ، فمشكلة ضبط الكلمات المتشابهة والوقوف لا تعالج إلا بدراسة اللغة العربية ، فلابد في الوقف من مراعاة المعنى والإعراب ، ولا يعرفان إلا بفهم اللغة العربية .
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن : ( وما رأيت بالمشرق إماما ولا فقيها يحفظه إلا اثنين ؛ ذلك لتعلموا أن المقصود حدوده لا حروفه ، وعلقت اليوم القلوب بالحروف ، وضيعوا الحدود خلافا لأمر رسول الله ، لكنه إنفاذ لأمر الله ، وتحقيق لوعد رسول الله ، وتبيين لنبوته ، وعضد لمعجزته ) .

----------------------------------------------
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم في كل وقت وحين

الاقتباس20
15-05-2008, 12:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم شكراً لك اخي الكريم على هذا المشاركة

المختار
15-05-2008, 05:10 PM
اخى نقلت فابدعت واسنت الأختيار ماشاء الله موضوع ممتاز دراسة شاملة بارك الله فيك ولا تحرمنا جديدك
فى انتظارك لا اتطول الغيبه
مشكووووووووووور وبارك الله فيك

بنت غريان
17-05-2008, 10:34 AM
مشكور أخي الكريم على روعة مانقلت ولشرحك الوافي المستوفي .

بنت غريان


http://img329.imageshack.us/img329/3730/b220482bc07mf.gif