alasmri
08-02-2007, 09:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى على محمد وآله الطيبين الطاهرين
للشيخ محمد بن زاهد الكوثري الحنفي المتوفى سنة 1371 هـ
الحمد لله ، وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه أجمعين
أما بعد فإنا نرى طائفة الحشوية يحاولون إكفار الأمة جمعاء بين حين وآخر بسبب أنهم يزورون القبور ويتوسلون إلى الله بالأخيار ، فكأنهم بذلك أصبحوا عباد الأوثان فحاشاهم من ذلك ، فأحببت ذكر آراء أئمة أصول الدين في مسألة التوسل لأنهم هم أصحاب الشأن في تبيين وجوه الفرق بين التوحيد والإشراك وعبادة الأوثان ، مع سرد ما في الكتاب والسنة من وجوه الدلالة على ذلك عند أهل العلم رداً للحق إلى نصابه ، وردعا للجهل وأصحابه ، والله سبحانه ولى التسديد والتوفيق
فأقول مستعينا بالله جل جلاله : إني أرى أن أتحدث هنا عن مسألة التوسل التي هي وسيلة دعاتهم إلى رميهم الأمة المحمدية بالإشراك ، وكنت لا أحب طرق هذا البحث لكثرة ما أثاروا حوله من جدل عقيم مع ظهور الحجة واستبانة المحجة ، وليس قصد أول من أثار هذه الفتنة ، سوى استباحة أموال المسلمين ليؤسس حكمه بأموالهم على دمائهم باسم أنهم مشركون ، وأنى يكون للحشوية صدق الدعوة إلى التوحيد ؟!
وهم في إنكارهم التوسل محجوجون بالكتاب والسنة والعمل المتوارث والمعقول : أما الكتاب فمنه قوله تعالى { وابتغوا إليه الوسيلة } والوسيلة بعمومها تشمل التوسل بالأشخاص ، والتوسل بالأعمال ، بل المتبادر من التوسل في الشرع هو هذا وذاك رغم تقول كل مفتر أفاك ، والفرق بين الحي والميت في ذلك لا يصدر إلا ممن ينطوى على اعتقاد فناء الأرواح المؤدى إلى إنكار البعث ، وعلى ادعاء انتفاء الإدراكات الجزئية من النفس بعد مفارقتها البدن المستلزم لإنكار الأدلة الشرعية في ذلك
أما شمول الوسيلة في الآية المذكورة للتوسل بالأشخاص فليس برأى مجرد ولا هو بمأخوذ من العموم اللغوى فحسب بل هو المأثور عن عمر الفاروق (رض) حيث قال ، بعد أن توسل بالعباس (رض) في الاستسقاء ( هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل .. ) كما في الاستيعاب لابن عبد البر
وأما السنة فمنها حديث عثمان بن حنيف (رض) وفيه ( يا محمد إني توجهت بك إلى ربي ) هكذا علم الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) الضرير الدعاء وفيه التوسل بالشخص ، وصرفه عن ظاهره تحريف للكلم عن مواضعه بهوى ، وأما كون استجابة الضرير بدعاء الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ـ وهو غير مذكور في الرواية ـ أو بدعاء الضرير فلا شأن لنا بذلك بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وقد نص على صحة هذا الحديث جماعة من الحفاظ كما سيأتي
وقد ورد أيضا في حديث فاطمة بنت أسد (رض) ( بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ) ورجاله هذا الحديث ثقات سوى روح بن صلاح وعنه يقول الحاكم : ثقة مأمون ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو نص على أنه لا فرق بين الأحياء والأموات في باب التوسل ، وهذا توسل بجاه الأنبياء صريح ، وفي حديث أبي سعيد الخدري (رض) ( اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ) وهذا توسل بالمسلمين عامة أحياء وأمواتاً ، وابن المرفق في سنده لم ينفرد عن ابن مرزوق ، وابن مرزوق من رجال مسلم ، وعطية حسن له الترمذي عدة أحاديث كما سيأتي
وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتاً جرت الأمة طبقة فطبقة ، وقول عمر في الاستسقاء ( وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ) نص على توسل الصحابة بالصحابة ، وفيه إنشاء التوسل بشخص العباس (رض) وليس في هذه الجملة فائدة الخبر لأن الله سبحانه يعلم توسل المتوسلين ، ولا لازم فائدة الخبر لأن الله يعلم أيضا علم المتوسلين بتوسلهم ، فتمخضت الجملة لإنشاء التوسل بالشخص ، وقوله ( كنا نتوسل ) فيه أيضا ما في الجملة الأولى ، على أن قول الصحابي ( كنا نفعل كذا ) ينصب على ما قبل زمن القول فيكون المعنى أن الصحابة (رض) كانوا يتوسلون به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) في حياته وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى إلى عام الرمادة ، وقصر ذلك على ما قبل وفاته ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) تقصير عن هوى ، وتحريف لنص الحديث وتأويل بدون دليل
ومن حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الاستسقاء قد حاول المحال ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال فضلا عن أن ينطق به ، فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصحيحة الصريحة بالرأى ، وفعل عمر إنما يدل على أن التوسل بقرابة الرسول الأحياء جائز كجوازه بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ليس غير ، بل في استيعاب ابن عبد البر بيان سبب استسقاء عمر بالعباس حيث يقول فيه ( إن الأرض أجدبت إجدابا شديدا على عهد عمر زمن الرمادة ، وذلك سنة سبع عشرة فقال كعب يا أمير المؤمنين : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بصبة الأنبياء ، فقال عمر : هذا عم رسول الله ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وصنو أبيه وسيد بني هاشم فمشى إليه عمر وشكا إليه … ) فهل استبان الآن أن استسقاء عمر بالعباس لم يكن من جهة أن الرسول ميت لا يسمع نداء ، ولا جاه له عند الله تعالى ؟ حاش لله ما هذا إلا أفك مفترى
وحديث مالك الدار في مجيء بلال بن الحارث الصحابي إلى قبر النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) أيام القحط في عهد عمر ، وقوله ( يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) في المنام فقال ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون ) نص في توسل الصحابة به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد وفاته من غير نكير ، والحديث مما أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح كما في فتح الباري ، وهذا قامع لمن لا يجيز التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد لحوقه بالرفيق الأعلى
وكذلك حديث عثمان بن حنيف في تعليمه دعاء الحاجة السابق ذكره لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان (رض) وفيه التوسل بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد وفاته من غير أن ينكر عليه أحد ، والحديث صححه الطبراني وأقره أبو الحسن الهيثمى في ( مجمع الزوائد ) كما سيأتي
وقد جمع المحدث الكبير محمد عابد السندى في جزء خاص الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب فشفى وكفى ، وعمل الأمة المتوارث طبقة فطبقة في ذلك مما يصعب استقصاؤه وفي ذلك كتب خاصة ، وفي مناسك الإمام أحمد رواية أبي بكر المروزي التوسل إلى الله بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) والصيغة التي يذكرها أبو الوفاء بن عقيل كبير الحنابلة في تذكرته في التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) على مذهب الحنابلة فيها طول ذكر نصها في تكملتنا للسيف الصقيل ، وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل تاريخ الخطيب بسند صحيح ، وتمسح الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي بقبر أحمد للاستشفاء لدمل أعيا الأطباء مذكور في ( الحكايات المنثورة للحافظ الضياء المقدسي الحنبلي ) سماعاً عن شيخه المذكور ، والكتاب محفوظ بظاهرية دمشق وهو بخط المؤلف ، فهل هؤلاء عباد القبور ؟!
وأما من جهة المعقول فإن أمثال الإمام فخر الدين الرازي والعلامة سعد الدين التفتازاني والعلامة السيد الشريف الجرجاني وغيرهم من كبار أئمة أصول الدين الذين يفزع إليهم في حل المشكلات في أصول الديانة قد صرحوا بجواز التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا
وأى صفيق يستطيع أن يرميهم بعبادة القبور والدعوة إلى الإشراك بالله ، وإليهم تفزع الأمة في معرفة الإيمان والكفر والتوحيد والإشراك والدين الخالص ؟!
والمدد كله عند الجميع من مسبب الأسباب جل جلاله ، فدونك نصوصا من كلام الأئمة في هذه المسألة
قال الرازي في تفسيره : إن الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال بالعالم العلوى بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ومنازل القدس ويظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فيهي المدبرات أمراً ، أليس الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها . اه
وقال الرازي أيضا في المطالب العالية – وهو من أمتع كتبه في علم أصول الدين – في الفصل العاشر من المقالة الثالثة من الكتاب السابع منه : إن الإنسان قد يرى أباه وأمه في المنام ويسألهما عن أشياء وهما يذكران أجوبة صحيحة وربما أرشداه إلى دفين في موضع لا يعلمه أحد ، ثم يقول : أنا كنت صبياً في أول التعليم وكنت أقرأ حوادث لا أول لها ، فرأيت في المنام أبي فقال لي : أجود الدلائل أن يقال الحركة انتقال من حالة إلى حالة فهي تقضي بحسب ماهيتها مسبوقيتها بالغير والأزل ينافي كونه مسبوقا بالغير فوجب أن يكون الجمع بينهما محالا ، ثم قال المصنف : والظاهر أن هذا الوجه أحسن من كل ما قيل في هذه المسألة … وقال أيضا في الفصل الخامس عشر من تلك المقالة بعد سرد الحجج : فوجب القطع بأن النفس بعد مفارقة البدن مدركة للجزئيات وهذا أصل ينتفع به في علم المعاد .
وقال أيضاً في الفصل الثامن عشر من تلك المقالة ( الفصل الثامن عشر في بيان كيفية الانتفاع بزيارة الموتى والقبور ) ثم قال : سألني بعض أكابر الملوك عن مسألة – وهو الملك محمد بن سام بن الحسين الغورى – وكان رجلا حسن السيرة مرضى الطريقة شديد الميل إلى العلماء قوى الرغبة في مجالسة أهل الدين والعقل فكتب فيها رسالة وأنا أذكرها هنا ملخص ذلك فأقول : للكلام فيه مقدمات :
المقدمة الأولى أنا قد دللنا على أن النفوس البشرية باقية بعد موت الأبدان وتلك التي فارقت أبدانها أقوى من هذه النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه وهذه النفوس أقوى من تلك من بعض الوجوه ، أما أن النفوس المفارقة أقوى من هذه النفوس من بعض الوجوه فهو أن تلك النفوس لما فارقت أبدانها فقد زال الغطاء وانكشف لها عالم الغيب وأسرار منازل الآخرة وصارت العلوم التي كانت برهانية عند التعلق بالأبدان ، ضرورية بعد مفارقة الأبدان ، لأن النفوس في الأبدان كانت في عناء وغطاء ولما زال البدن أشرقت تلك النفوس وتجلت وتلألأت فحصل للنفوس المفارقة عن الأبدان بهذا الطريق نوع من الكمال ، وأما أن النفوس المتعلقة بالأبدان أقوى من تلك النفوس المفارقة من وجه آخر فلأن آلات الكسب والطلب باقية لهذه النفوس بواسطة الأفكار المتلاحقة والأنظار المتتالية تستفيد كل يوم علما جديدا ، وهذه الحالة غير حاصلة للنفوس المفارقة
والمقدمة الثانية أن تعلق النفوس بأبدانها تعلق يشبه العشق الشديد والحب التام ولهذا السبب كان كل شئ تطلب تحصيله في الدنيا فإنما تطلبه لتتوصل به إلى إيصال الخير والراحة إلى هذا البدن فإذا مات الإنسان وفارقت النفس هذا البدن فذلك الميل يبقى وذلك العشق لا يزول وتبقى تلك النفوس عظيمة الميل إلى ذلك البدن عظيمة الانجذاب ، على المذهب الذي نصرناه من أن النفوس الناطقة مدركة للجزئيات وأنها تبقى موصوفة بهذا الإدراك بعد موتها
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوى النفس كامل الجوهر شديد التأثير ووقف هنا ساعة وتأثرت نفسه من تلك التربة – وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقا بتلك التربة أيضا – فحينئذ يحصل لنفس هذا الزائر الحى ولنفس ذلك الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة ، فصارت هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى ، فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحى من المعارف البرهانية والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة من الخضوع لله والرضا بقضاء الله ينعكس منه نور إلى روح ذلك الميت ، وكل ما حصل في نفس ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرقة الكاملة فإنه ينعكس منه نور إلى روح هذا الزائر الحى وبهذا الطريق تكون تلك الزيارة سببا لحصول المنفعة الكبرى والبهجة العظمى لروح الزائر ولروح المزور ، وهذا هو السبب الأصلي في شرعية الزيارة ، ولا يبعد أن تحصل فيها أسرار أخرى أدق وأغمض مما ذكرناه ، وتمام العلم بحقائق الأشياء ليس إلا عند الله . اه
وها أنت رأيت ما يراه الإمام فخر الدين الرازي في الزيارة من الأخذ والعطاء والاستفاضة والإفاضة على نسبة منزلتي الزائر والمزور
وقال العلامة المحقق السعد التفتازاني في شرح المقاصد – وهو من أمهات كتب أصول الدين – ج2ص32 في الرد على الفلاسفة : لما كان إدراك الجزئيات مشروطا عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط ، وعندنا لما لم تكن الآلات شرطا في إدراك الجزئيات إما لأنه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس ، وإما لأنه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئى في النفس ، بال الظاهر من قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات جزئية واطلاع على على بعض جزئيات أحوال الأحياء سيما الذين كان بينهم وبين الميت تعارف في الدنيا ، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات ، فإن للنفس بعد المفارقة تعليقا ما بالبدن وبالتربة التي دفن فيها ، فإذا زار الحى تلك التربة وتوجهت نفسه الميت حصل بين النفسين ملاقاة وإفاضات . اه
هذا هو تحقيق هذا الإمام الجليل في المسألة ، أفهذا أيضا ممن لا يميز بين التوحيد والإشراك ؟
فتعسا لرأس يتخيل ذلك !
وقال التفتازاني أيضاً في ص150 من الجزء المذكور : وبالجملة ظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء ، وإنكارها ليس بعجيب من أهل البدع والأهواء إذ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شئ مع اجتهادهم في أمور العبادات واجتناب السيئات فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقون أديمهم ويمضغون لحومهم لا يسمونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة ولا يعدونهم إلا في عداد آحاد المبتدعة قاعدين تحت المثل السائر ( أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل ) ولم يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة . اه
وهذا هو قول هذا الإمام الجليل في أولياء الله أصحاب الكرامات مع أنه لا صلة له بالمتصوف ، وفي ذلك عبرة لمن تعود أن يلغ في دماء أصفياء الأمة
وقال السيد الشريف الجرجاني في أزائل حاشيته على ( المطالع ) عند بيان الشارح وجه الصلاة على النبي وأنه عليه وعليهم الصلاة والسلام في أوائل الكتب ، ووجه الحاجة إلى التوسل بهم في الاستفاضة : فإن قيل هذا التوسل إنما يتصور إذا كانوا متعلقين بالأبدان وأما إذا تجردوا عنها فلا ، إذ لا جهة مقتضية للمناسبة ، قلنا يكفيه أنهم كانوا متعلقين بها متوجهين إلى تكميل النفوس الناقصة بهمة عالية فإن أثر ذلك باق فيهم ، ولذلك كانت زيارة مراقدهم معدة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده أصحاب البصائر . اه
فتطابق الكتاب والسنة وعمل الأمة المتوارث وكلام أئمة أصول الدين في المسألة كما رأيت ، ومن عاند بعد ذلك فهو زائغ عن السبيل
وأتحدث الآن بإذن الله عن الأحاديث والآثار المروية في هذا الباب تفصيلا لما أجملناه هنا بعد الإشارة إلى الآيات في ذلك :
فأقول : سبق أن تلونا قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } احتجاجا به على أن التوسل بالذوات والأعمال مطلوب شرعا لشمول ابتغاء الوسيلة لهذا وذاك لا بمجرد الرأى فقط ولا بالعموم اللغوى فحسب بل بما رواه ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) عن عمر (رض) أنه قال بعد أن استسقى بالعباس (رض) وسقوا ( هذا – والله – الوسيلة إلى الله عز وجل والمكان منه ) وزد على ذلك قول عمر ايضا كما قي ( أنساب الزبير بن بكار ) على ما في فتح الباري ( واتخذوه – يعني العباس – وسيلة إلى الله ) ولا يتصور أن يكون هذا بمعنى اطلبوا الدعاء منه لأن عمر طلب منه الدعاء وتقدم هو للدعاء ، وبعد طلب أمير المؤمنين منه الدعاء وتقدمه للدعاء إجابة لطلب عمر لا يكون قول عمر هذا إلا بمعنى ( توسلوا به إلى الله ) كما فعل عمر نفسه ، لكن الهوى يعمى ويصم
وفي فتح الباري ح2ص337 : وليس في قول عمر إنهم كانوا يتوسلون به دلالة على أنهم سألوه أن يستسقى لهم إذ يحتمل أن يكونوا في الحالين طلبوا السقيا من الله مستشفعين به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وقال ابن رشد : أراد بالترجمة ( باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء ) الاستدلال بطريق الأولى لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال . اه
وكلام الحافظين يقضى على وهم من يهم قائلا إن التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) هو طلب الدعاء منه ، وأين التوسل من الدعاء ؟ نعم قد يدعو المتوسل به للمتوسل لكن ليس هذا مدلولا لغويا ولا شرعيا للتوسل ، ويستأنس في التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بما ذكره البغوى وغيره من أهل التفسير بالرواية في قوله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } من أن اليهود كانوا إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو يقولون ( اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة ، فكانوا ينصرون ) واستقصاء الروايات في ذلك في الدر المنثور للسيوطي
وتخصيص قوله تعال { ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } بما قبل الموت تخصيص بدون حجة عن هوى ، وترك المطلق على إطلاقه مما اتفق عليه أهل الحق ، والتقييد لا يكون إلا بحجة ، ولا حجة هنا تقيد الآية ، بل فقهاء المذاهب حتى الحنابلة على شمول الآية لما بعد الموت – والأنبياء أحياء في قبورهم – وقد ذكرنا صيغة التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) عند الحنابلة وقت زيارة قبره نقلا من كتاب ( التذكرة لأبي الوفاء بن عقيل ) من قدماء الحنابلة في أواخر تكملتنا للرد على نونية ابن القيم ، وفيها التوسل وتلاوة تلك الآية ، وليس خبر العتبي مما يرد بجره قلم
ولنعد الآن إلى الكلام في بعض الأحاديث والآثار الواردة في التوسل تفصيلا لما أجملناه فيما سبق : فمنها ما أخرجه البخاري في الاستسقاء حيث قال في صحيحه : حدثني الحسن بن محمد قال حدثنا محمد الأنصاري قال حدثني أبي عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أن عمر بن الخطاب (رض) كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال ( اللهم انا كنا نتوسل اليك بنينا ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقينا ، قال فيسقون ) وفيه التوسل بالذات ، وادعاء أن هناك مضافا محذوفا أى بدعاء عم نبينا تقول محض بدون أى حجة ، كما أن فرض العدول – لوفاة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم – إلى العباس تقويل لعمر مالم يخطر له على بال ، بل فيه جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ، بل التوسط بلفظ ( بعم نبينا ) توسل بقرابة العباس منه ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وبمنزلته لديه فيكون هذا التوسل توسلا به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) أيضا ، ولفظ ( كنا ) غير خاص بعهد النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) يشمله وما بعده إلى عام الرمادة ، والتقييد بدون مقيد ، وكان ابن عمر (رض) يتمثل بشعر أبي طالب [ عليه السلام ] وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ، كما في البخاري ، بل روى استنشاد الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ذلك الشعر كما في فتح الباري ، وفي شعر حسان (رض) فسقى الغمام بعزة العباس ، كما في الاستيعاب وفي كل طلب السقيا من الله بذات العباس وجاهه عند الله
ومنها ما أخرجه البيهقي – وبطريقه أخرجه التقي السبكي في شفاء السقام – وغيره من حديث مالك الدار في استسقاء بلال بن الحارث المزني (رض) في عهد عمر بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ومالك الدار بالإضافة هو مالك بن عياض مولى عمر وكان خازنه ، وقد ولاه وكله عيال عمر ، ثم ولاه عثمان (رض) القسم فسمى مالك الدار ، كما في طبقات ابن سعد والإصابة ، وفي معارف ابن قتيبة : ومن موالى عمر بن الخطاب ، مالك الدار وكان عمر ولاه دار وكان يقسم بين الناس فيها شيئا .اه
ونص الحديث ( أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب (رض) فجاء رجل إلى قبر النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) فقال يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) في المنام فقال ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون ) الحديث
ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وهو في البرزخ ودعاؤه لربه وعلمه بسؤال من يسأله ولم ينكر صنيعه هذا أحد من الصحابة ، وقد أخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه بطريق أبي صالح ذكوان مختصرا ، وأخرجه ابن أبي خيثمة من هذا الوجه مطولا كما في الإصابة ، وأخرجه ايضا ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما نص عليه ابن حجر في الفتح ج2ص338 من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار قال ابن حجر : ان الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة كما روى سيف في الفتوح .اه
وهذا نص على عمل الصحابة في الاستسقاء به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد وفاته حيث لم ينكر عليه أحد منهم مع بلوغ الخبر إليهم ، وما يرفع إلى أمير المؤمنين يذيع ويشيع ، فهذا يقطع ألسنة المتقولين
ومنها حديث عثمان بن حنيف (رض) في دعاء علمه النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وفيه ( اللهم أني أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي .. الحديث ) وفيه التوسل بذات النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وبجاهه ونداء له في غيبته ، وهذا أيضا مما يقطع ألسنة المتقولين وهذا الحديث أخرجه البخاري في تاريخه الكبير والترمذي في أواخر الدعوات من جامعه ، وابن ماجه في صلاة الحاجة من سننه ، وفيه نص على صحته ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة والبيهقي في دلائل النبوة ، وغيره على اختلاف يسير في غيره موضع الاستشهاد ، وصححه جماعة من الحفاظ يقارب عددهم خمسة عشر حافظا ، فمنهم سوى المتأخرين : الترمذي وابن حبان والحاكم والطبراني وأبو نعيم والبيهقي والمنذري
وسند الترمذي ( حدثنا محمود بن غيلان نا عثمان بن عمر نا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف ) ثم ساق الحديث وقال ( هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمى وفي بعض النسخ المطبوعة ( وهو غير الخطمى ) وفي بعضها ( وليس هو الخطمى ) وهذا وذاك من تصرفات الناسخين وليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان ويترك من غير بيان ، على أن أبا جعفر الراوى عن عمارة بين شيوخ شعبة أنما هو عمير بن يزيد الخطمى المدني الأصل ثم البصري كما يظهر من كتب الرجال المعروفة من مطبوع ومخطوط ، وأبو جعفر الرازى المتوفى سنة 160 هـ من شيوخ شعبة لم يدرك عمارة المتوفى سنة 105 هـ أصلا لأن رحلته إلى الحجاز بعد وفاة عمارة بنحو تسع سنين ، وشعبة شعبة في التثبيت فيما يروى ، على أن طرقا أخرى للحديث عند الطبراني وغيره تنص في صلب السند على أنه الخطمى الثقة باتفاق ، وسند الطبراني في هذا الحديث مسوق في شفاء السقام للتقي السبكي
ورجال سند الترمذي كلهم ثقات وانما سماه غريبا لانفراد عثمان بن عمر عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة ، وهما ثقتان باتفاق ، وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث ( إنما الأعمال بالنيات ) وسماه حسنا أيضا لتعدد طرقه بعد أبي جعفر وعثمان بن عمر ، وتسميته صحيحا باعتبار تكامل أوصاف الصحة في روائه
ومنها حديث عثمان بن حنيف أيضا في تعليل دعاء صلاة الحاجة المذكور لرجل كانت له حاجة عند عثمان بن عفان (رض) فدعا به فقضيت حاجته ، وموضع الاستشهاد أن الصحابي المذكور فهم من حديث دعاء الحاجة أنه لا يختص بزمنه ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وهذا توسل به نداء بعد وفاته ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وعمل متوارث بين الصحابة (رض) وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في الكبير وصححه بعد سوقة من طرق كما ذكره أبو الحسن الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وأقره عليه كما أقر المنذري قبله في ( الترغيب ) وقبله أبو الحسن المقدسي ، وأخرجه أيضا أبو نعيم في المعرفة والبيهقي من طريقين واسنادهما صحيح أيضا
ومنها حديث فاطمة بنت أسد (رض) وفيه من لفظ الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم ( بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلى ) وصححه ابن حبان والحاكم وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بسند فيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في ( المجمع ) وفيه التوسل بذوات الأنبياء الذين انتقلوا إلى الدار الآخرة
ومنها أيضا حديث عمر (رض) عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ( لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي .. ) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح الاسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .اه
وساق سنده التقي السبكي في ( شفاء السقام ) وأخرجه الطبراني في الأوسط والصغير ، وفي سندهما بعض من لا يعرفه الهيثمي ، وأما عبد الرحمن بن زيد فقد ضعفه مالك وتابعه آخرون إلا أنه لم يتهم بالكذب بل بالوهم ومثله ينتقى بعض أحاديثه ، وهذا هو الذي فعله الحاكم حيث رأى أن الخبر مما قبله مالك فيما روى ابن حميد عنه حيث قال لأبي جعفر المنصور ( وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام )
وبعد أن أقر الإمام مالك (رض) بصحة الخبر واحتج به زالت تهمة الوهم وقلة الضبط عن عبد الرحمن الذى إنما يقتدى من رماه بذلك بمالك وعبد الرحمن بن زيد ليس ممن يرد خبره مطلقا ، وهاهو الإمام الشافعي يستدل في دين الله ببعض حديثه في الأم وفي مسنده فلا لوم على الحاكم في عده هذا الحديث صحيحا
بل هو الصحيح إلا عند من يضيق صدره عند سماع فضائل المصطفى ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وأما قول مالك لأبي جعفر المذكور فهو ما أخرجه القاضي عياض في ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى ) بسند حسن ، وابن حميد في السند هو محمد بن حميد الرازي في الراجح على خلاف ما ظنه التقي السبكي
لكن الرازى هذا ليس حاله كما يريد أن يصوره الشمس بن عبد الهادي حيث حشر قول جميع من تكلم فيه ، وأهمل كلام من أثنى عليه ، وهو أحد الثلاثة الذين اتصلوا بابن تيمية وهم شباب فانخدعوا به فزاغوا ، يذكر الجرح ويغفل التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه
ومحمد بن حميد هذا روى عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، قال ابن أبي خيثمة : سئل عنه ابن معين فقال : ثقة لا بأس به رازى كيس ، وقال أحمد : لا يزال بالرى علم مادام محمد بن حميد ، وممن أثنى عليه الصاغاني والذهلي ، وقال الخليل في الارشاد : كان حافظا عاماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحيى ، وقال البخاري : فيه نظر ، وليس مثله يتهم في مثل هذا الخبر ، وقد مات سنة 248 هـ عن سن عالية ، وكان عمره عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشر سنة ، وهم يقبلون رواية ابن خمس في مسند إمامهم ، ويعقوب بن إسحاق لا بأس به كما ذكره الخطيب في تاريخه وأبو الحسن عبد الله بن محمد بن المنتاب من أجل أصحاب إسماعيل القاضي ولاه المقتدر قضاء المدينة المنورة حوالى سنة ثلاثمائة ، ولم يكن غير الثقات الأفذاذ من أهل العلم ليولى قضاء المدينة المنورة في ذلك العهد – واسم ابن المنتاب يهم فيه كثير – وصاحبه محمد بن أحمد بن الفرج وثقه السمعاني في الأنساب عند ذكر الجزائري وأقره ابن الأثير في ( اللباب ) وأبو الحسن الفهري من الثقات الأثبات مترجم في العبر للذهبي ، وابن دلهاث من ثقات شيوخ ابن عبد البر مترجم في صلة ابن بشكوال ، وألم السبكي بأحوالهم في الشفاء بما لا يخرج عما ذكرناه
وابن عبد الهادي يأبى قبول هذا الخبر لأنه يمس شذوذ شيخه ليس إلا أراد ابن المنتاب بسوق هذا الخبر الرد على ما في مبسوط شيخه إسماعيل القاضي المخالف لما رواه ابن وهب عن مالك ، وإسماعيل من أهل العراق ، وأهل مصر والمدينة أعلم بمسائل مالك منهم ، على أن إسماعيل لم يسند ما ذكره إلى مالك بل أرسله إرسالا ، لكنه حيث وافق هوى ابن عبد الهادي يقبله منه بدون سؤال عن سنده بخلاف ماهنا ، ويطريه إطراء يغنيه عن ذكر السند في نظره فكأنه لم ير قول داود الأصفهاني فيه ، ولله في خلقه شؤون
على أنه قد وردت أخبار أخرى في توسل آدم يعضد بعضها بعضا استغنينا عن ذكرها اكتفاء بما سطرناه ، لأن الأحاديث السابقة فيها كفاية لغير المتعنت
ومنها حديث أبي سعيد الخدري (رض) في سنن ابن ماجه في باب المشى إلى الصلاة ( من خرج من بيته إلى الصلاة فقال إني أسألك بحق السائلين عليك .. الحديث ) قال الشهاب البوصيري في ( مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ) هذا إسناد مسلسل بالضعفاء ، عطية هو العوفى وفضيل ابن مرزوق والفضيل بن الموفق كلهم ضعفاء لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق فضيل بن مرزوق فهو صحيح عنده ، وذكره رزين ورواه أحمد بن منيع في مسنده ثنا يزيد ثنا فضيل بن مرزوق فذكره بإسناده ومتنه . اه
وقال علاء الدين مغلطاى في الإعلام شرح سنن ابن ماجه : ذكره أبو نعيم الفضل ( هو ابن دكين ) في كتاب الصلاة عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري موقفا اه. ولم ينفرد عطية عن الخدري بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبد الحكم بن ذكوان ، وهو ثقة عن ابن حبان وان أغفله أبو الفرج في علله
وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة بسنده فيه الوازع ، عن بلال وليس فيه عطية ، ولا ابن مرزوق ولا ابن الموفق ( اللهم بحق السائلين عليك )فظهر انه لم ينفرد عطية ولا ابن مرزوق ولا ابن الموفق بالنظر إلى هذه الطرق على فرض ضعف الثلاثة ، مع أن يزيد بن هارون شيخ أحمد بن منيع شارك ابن الموفق في روايته عن ابن مرزوق وكذا الفضل بن دكين وابن فضيل وسليمان بن حيان وغيرهم ، وعطية جرح بالتشيع لكن حسن له الترمذي عدة أحاديث ، وعن ابن معين أنه صالح وعن ابن سعد : ثقة إن شاء الله ، وعن ابن عدى : له أحاديث صالحة ، وبعد التصريح بالخدري لا يبقى احتمال التدليس ولا سيما مع المتابعة ، وابن مرزوق ترجح توثيقه عند مسلم فروى عنه في صحيحه
على أن الحديث مروى بطريق بلال (رض) أيضا فلا تنزل درجة الحديث مهما نزلت عن درجة الاحتجاج به ، بل يدور أمره بين الصحة والحسن لكثرة المتابعات والشواهد كما أشرنا إليها ، وقول من يقول إن الجرح مقدم على التعديل على ضعفه فيما إذا تعارضا بتكافئهما في الميزان ، ودون إثبات ذلك مفاوز ، فلا يتمكن المبتدعة من اتخاذ ذلك تكأة لرد الأحاديث الثابتة برواية رجال وثقهم أهل الشأن بترجح ذلك عندهم ، وقد حسن هذا الحديث الحافظ العراقي في تخريج الإحياء وابن حجر في أمال الأذكار
وفي الحديث التوسل بعامة المسلمين وخاصتهم ، وإدخال الباء في أحد مفعولى السؤال إنما في السؤال الاستعلامي كقوله تعالى { فسئل به خيرا } و { سأل سائل بعذاب واقع } وأما السؤال الاستعطائى فلا تدخل الباء فيه أصلا إلا على التوسل به ، فدونك الأدعية المأثورة ، فتصور إدخالها هنا في المفعول الثاني ، اخراج للكلام عن سننه بهوى وصيحة باطل تمجها الأسماع ، وليس معنى الحق الإجابة بل ما يستحقه السائلون المتضرعون فضلا من الله سبحانه ، فيكون عد ( بحق السائلين ) سؤلا لهذا الداعى هذيان محضا ولا سيما عند ملاحظة ما عطف عليه في الحديث ، وأما زعم أنه ليس في سياق الحديث ما يصلح أن يكون سؤلا غير ذلك فمما يثير الضحك الشديد والهزء المديد فأين ذهب عن هذا الزاعم ( أن تعيذنى من النار ..) ؟ وكم يكرر الفعل للتوكيد ؟ فالسؤل في الفعل الأخير هو السؤل في الفعلين المتقدمين بل لو لم تكن تلك الأفعال من باب التوكيد لدخلت في باب التنازع فيكون هذا القيد معتبرا في الجميع على كل تقدير
وأما من يحاول رد التوسل بتصور دخوله في الحلف بغير الله فإنما حاول الرد على المصطفى ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) لأنه هو الذي علم صيغ التوسل وفيها التوسل بالأشخاص ، وأين التوسل من الحلف ؟
ولا بأس أن تزيد هنا كلمة في الاستغاثة والاستعانة والكل من واد واحد : ففي حديث الشفاعة عند البخاري ( استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وهذا يدل على جواز استعمال لفظ الاستغاثة في صدد التوسل ، وأما حديث ( لا يستغاث بي ) عند الطبراني ففي سنده ابن لهيعة وقد شرحنا حاله في ( الإشفاق ) فلا يناهض الحديث الصحيح
وأما حديث ( وإذا استعنت فاستعن بالله ) فبمعنى ( عند استعانتك بأى مستعان فاستعن بالله ) على لين في طرقه كلها – حملا على الحقيقة – فالمسلم لا ينسى مسبب الأسباب عندما يستعين بسبب من الأسباب ، وها هو عمر (رض) حينما استسقى بالعباس (رض) لم ينس أن يقول آن الاستسقاء ( اللهم فاسقنا ) وهذا هو الأدب الإسلامي ، ولو لم نحمل الحديث على هذا المعنى لتكلفنا المجاز ولعارضته عدة آيات وأحاديث ، في سردها طول ، على أن لفظ ( إذا ) في الحديث بعيد عن افادة معنى ( كلما ) بل هو من صيغ الإهمال عند المناطقة فلا يكون للخصم مجال أن يتمسك به أصلا ، وزد على ذلك إفراد الضمير ، والخاصة ومنهم ابن عباس (رض) يحسن بهم أن تكون استعانتهم بمسبب الأسباب
وأما قوله تعالى { وإياك نستعين } ففي العبادة والهداية بقرينة السباق والسياق كما هو الجدير بحال المناجاة فلا يكون فيه تعطيل الأسباب العادية الدنيوية
وقد أحسن صديقنا العلامة المحقق صاحب المؤلفات الممتعة الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسنين العدوى المالكي رحمه الله حيث ألف عدة كتب في دفع شبه يصطنعها التيميون حول التوسل فأزاح ظلماتهم ببيانه العذب وتحقيقه الرائع ، ومقامه في العلم فوق منازل شيوخ مشايخ هؤلاء بدرجات اتفاقا بين أهل العلم
وأما سماع أصحاب القبور وإدراكهم فمن أوسع من سرد أدلة ذلك المحدث عبد الحى اللكنوي في ( تذكرة الراشد ) وأما قوله تعالى { وما أنت بمسمع من في القبور } ففي حق المشركين عند المحققين وهناك تحقيق ذلك أيضا فلا تلتفت إلى مغالطات المغالطين
وبتلك الأحاديث والآثار يظهر أن من ينكر التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين أحياء وأمواتا ليس عنده أدنى حجة ، وأن رمى المسلمين بالإشراك بسبب التوسل ما هو إلا تهور يرجع ضرره إلى الرامى ، نسأل الله السلامة
وأما إن كان بين العامة من يخطئ في مراعاة أدب الزيارة والتوسل فمن واجب أهل العلم إرشادهم إلى الصواب برفق ، وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن ابتدع إنكار ذلك الحراني فرد أهل العلم كيده في نحره ودامت فتنته عند جاهلى بلاياه ، وقد غلط الآلوسي وابنه المتصرف في تفسيره بعض غلط ترده عليها تلك الأدلة ، وكانا مضطربين في مسائل من عدوى جيرانهما وبعض شيوخهما ، وليس هذا بموضع بسط لذكر ذلك
ومن أراد أن يعرف عمل الأمة في التوسل بخير الخلق فليراجع ( مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام ) للإمام القدوة أبي عبد الله النعمانى محمد بن موسى التلمساني المالكي المتوفى سنة 683 هـ وهو من محفوظات دار الكتب المصرية
وفي ذلك كفاية لغير المتعنتين ، ومن الله الهداية والتوفيق .
-----------
لا أعرف أن عالماً مات فخلا مكانه في هذه السنين كما خلا مكان الإمام الكوثري لأنه بقية السلف الصالح الذين لم يجعلوا العلم مرتزقاً ولا سلماً لغاية .. كان مُتبعاً ولم يكن مُبتدعاً .. لقد كان الإمام الكوثري عالماً حقاً عرف علمه العلماء وقليل منهم من أدرك جهاده ولقد عرفته سنين قبل أن ألقاه عرفته في كتاباته التي يُشرق فيها نور الحق وعرفته في تعليقاته على المخطوطات التي قام على نشرها وما كان والله عجبي من المخطوط بقدر إعجابي بتعليق من علق عليه .. الشيخ محمد أبو زهرة .
اللهم صلى على محمد وآله الطيبين الطاهرين
للشيخ محمد بن زاهد الكوثري الحنفي المتوفى سنة 1371 هـ
الحمد لله ، وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه أجمعين
أما بعد فإنا نرى طائفة الحشوية يحاولون إكفار الأمة جمعاء بين حين وآخر بسبب أنهم يزورون القبور ويتوسلون إلى الله بالأخيار ، فكأنهم بذلك أصبحوا عباد الأوثان فحاشاهم من ذلك ، فأحببت ذكر آراء أئمة أصول الدين في مسألة التوسل لأنهم هم أصحاب الشأن في تبيين وجوه الفرق بين التوحيد والإشراك وعبادة الأوثان ، مع سرد ما في الكتاب والسنة من وجوه الدلالة على ذلك عند أهل العلم رداً للحق إلى نصابه ، وردعا للجهل وأصحابه ، والله سبحانه ولى التسديد والتوفيق
فأقول مستعينا بالله جل جلاله : إني أرى أن أتحدث هنا عن مسألة التوسل التي هي وسيلة دعاتهم إلى رميهم الأمة المحمدية بالإشراك ، وكنت لا أحب طرق هذا البحث لكثرة ما أثاروا حوله من جدل عقيم مع ظهور الحجة واستبانة المحجة ، وليس قصد أول من أثار هذه الفتنة ، سوى استباحة أموال المسلمين ليؤسس حكمه بأموالهم على دمائهم باسم أنهم مشركون ، وأنى يكون للحشوية صدق الدعوة إلى التوحيد ؟!
وهم في إنكارهم التوسل محجوجون بالكتاب والسنة والعمل المتوارث والمعقول : أما الكتاب فمنه قوله تعالى { وابتغوا إليه الوسيلة } والوسيلة بعمومها تشمل التوسل بالأشخاص ، والتوسل بالأعمال ، بل المتبادر من التوسل في الشرع هو هذا وذاك رغم تقول كل مفتر أفاك ، والفرق بين الحي والميت في ذلك لا يصدر إلا ممن ينطوى على اعتقاد فناء الأرواح المؤدى إلى إنكار البعث ، وعلى ادعاء انتفاء الإدراكات الجزئية من النفس بعد مفارقتها البدن المستلزم لإنكار الأدلة الشرعية في ذلك
أما شمول الوسيلة في الآية المذكورة للتوسل بالأشخاص فليس برأى مجرد ولا هو بمأخوذ من العموم اللغوى فحسب بل هو المأثور عن عمر الفاروق (رض) حيث قال ، بعد أن توسل بالعباس (رض) في الاستسقاء ( هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل .. ) كما في الاستيعاب لابن عبد البر
وأما السنة فمنها حديث عثمان بن حنيف (رض) وفيه ( يا محمد إني توجهت بك إلى ربي ) هكذا علم الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) الضرير الدعاء وفيه التوسل بالشخص ، وصرفه عن ظاهره تحريف للكلم عن مواضعه بهوى ، وأما كون استجابة الضرير بدعاء الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ـ وهو غير مذكور في الرواية ـ أو بدعاء الضرير فلا شأن لنا بذلك بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وقد نص على صحة هذا الحديث جماعة من الحفاظ كما سيأتي
وقد ورد أيضا في حديث فاطمة بنت أسد (رض) ( بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ) ورجاله هذا الحديث ثقات سوى روح بن صلاح وعنه يقول الحاكم : ثقة مأمون ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو نص على أنه لا فرق بين الأحياء والأموات في باب التوسل ، وهذا توسل بجاه الأنبياء صريح ، وفي حديث أبي سعيد الخدري (رض) ( اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ) وهذا توسل بالمسلمين عامة أحياء وأمواتاً ، وابن المرفق في سنده لم ينفرد عن ابن مرزوق ، وابن مرزوق من رجال مسلم ، وعطية حسن له الترمذي عدة أحاديث كما سيأتي
وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتاً جرت الأمة طبقة فطبقة ، وقول عمر في الاستسقاء ( وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ) نص على توسل الصحابة بالصحابة ، وفيه إنشاء التوسل بشخص العباس (رض) وليس في هذه الجملة فائدة الخبر لأن الله سبحانه يعلم توسل المتوسلين ، ولا لازم فائدة الخبر لأن الله يعلم أيضا علم المتوسلين بتوسلهم ، فتمخضت الجملة لإنشاء التوسل بالشخص ، وقوله ( كنا نتوسل ) فيه أيضا ما في الجملة الأولى ، على أن قول الصحابي ( كنا نفعل كذا ) ينصب على ما قبل زمن القول فيكون المعنى أن الصحابة (رض) كانوا يتوسلون به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) في حياته وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى إلى عام الرمادة ، وقصر ذلك على ما قبل وفاته ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) تقصير عن هوى ، وتحريف لنص الحديث وتأويل بدون دليل
ومن حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الاستسقاء قد حاول المحال ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال فضلا عن أن ينطق به ، فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصحيحة الصريحة بالرأى ، وفعل عمر إنما يدل على أن التوسل بقرابة الرسول الأحياء جائز كجوازه بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ليس غير ، بل في استيعاب ابن عبد البر بيان سبب استسقاء عمر بالعباس حيث يقول فيه ( إن الأرض أجدبت إجدابا شديدا على عهد عمر زمن الرمادة ، وذلك سنة سبع عشرة فقال كعب يا أمير المؤمنين : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بصبة الأنبياء ، فقال عمر : هذا عم رسول الله ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وصنو أبيه وسيد بني هاشم فمشى إليه عمر وشكا إليه … ) فهل استبان الآن أن استسقاء عمر بالعباس لم يكن من جهة أن الرسول ميت لا يسمع نداء ، ولا جاه له عند الله تعالى ؟ حاش لله ما هذا إلا أفك مفترى
وحديث مالك الدار في مجيء بلال بن الحارث الصحابي إلى قبر النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) أيام القحط في عهد عمر ، وقوله ( يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) في المنام فقال ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون ) نص في توسل الصحابة به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد وفاته من غير نكير ، والحديث مما أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح كما في فتح الباري ، وهذا قامع لمن لا يجيز التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد لحوقه بالرفيق الأعلى
وكذلك حديث عثمان بن حنيف في تعليمه دعاء الحاجة السابق ذكره لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان (رض) وفيه التوسل بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد وفاته من غير أن ينكر عليه أحد ، والحديث صححه الطبراني وأقره أبو الحسن الهيثمى في ( مجمع الزوائد ) كما سيأتي
وقد جمع المحدث الكبير محمد عابد السندى في جزء خاص الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب فشفى وكفى ، وعمل الأمة المتوارث طبقة فطبقة في ذلك مما يصعب استقصاؤه وفي ذلك كتب خاصة ، وفي مناسك الإمام أحمد رواية أبي بكر المروزي التوسل إلى الله بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) والصيغة التي يذكرها أبو الوفاء بن عقيل كبير الحنابلة في تذكرته في التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) على مذهب الحنابلة فيها طول ذكر نصها في تكملتنا للسيف الصقيل ، وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل تاريخ الخطيب بسند صحيح ، وتمسح الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي بقبر أحمد للاستشفاء لدمل أعيا الأطباء مذكور في ( الحكايات المنثورة للحافظ الضياء المقدسي الحنبلي ) سماعاً عن شيخه المذكور ، والكتاب محفوظ بظاهرية دمشق وهو بخط المؤلف ، فهل هؤلاء عباد القبور ؟!
وأما من جهة المعقول فإن أمثال الإمام فخر الدين الرازي والعلامة سعد الدين التفتازاني والعلامة السيد الشريف الجرجاني وغيرهم من كبار أئمة أصول الدين الذين يفزع إليهم في حل المشكلات في أصول الديانة قد صرحوا بجواز التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا
وأى صفيق يستطيع أن يرميهم بعبادة القبور والدعوة إلى الإشراك بالله ، وإليهم تفزع الأمة في معرفة الإيمان والكفر والتوحيد والإشراك والدين الخالص ؟!
والمدد كله عند الجميع من مسبب الأسباب جل جلاله ، فدونك نصوصا من كلام الأئمة في هذه المسألة
قال الرازي في تفسيره : إن الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال بالعالم العلوى بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ومنازل القدس ويظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فيهي المدبرات أمراً ، أليس الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها . اه
وقال الرازي أيضا في المطالب العالية – وهو من أمتع كتبه في علم أصول الدين – في الفصل العاشر من المقالة الثالثة من الكتاب السابع منه : إن الإنسان قد يرى أباه وأمه في المنام ويسألهما عن أشياء وهما يذكران أجوبة صحيحة وربما أرشداه إلى دفين في موضع لا يعلمه أحد ، ثم يقول : أنا كنت صبياً في أول التعليم وكنت أقرأ حوادث لا أول لها ، فرأيت في المنام أبي فقال لي : أجود الدلائل أن يقال الحركة انتقال من حالة إلى حالة فهي تقضي بحسب ماهيتها مسبوقيتها بالغير والأزل ينافي كونه مسبوقا بالغير فوجب أن يكون الجمع بينهما محالا ، ثم قال المصنف : والظاهر أن هذا الوجه أحسن من كل ما قيل في هذه المسألة … وقال أيضا في الفصل الخامس عشر من تلك المقالة بعد سرد الحجج : فوجب القطع بأن النفس بعد مفارقة البدن مدركة للجزئيات وهذا أصل ينتفع به في علم المعاد .
وقال أيضاً في الفصل الثامن عشر من تلك المقالة ( الفصل الثامن عشر في بيان كيفية الانتفاع بزيارة الموتى والقبور ) ثم قال : سألني بعض أكابر الملوك عن مسألة – وهو الملك محمد بن سام بن الحسين الغورى – وكان رجلا حسن السيرة مرضى الطريقة شديد الميل إلى العلماء قوى الرغبة في مجالسة أهل الدين والعقل فكتب فيها رسالة وأنا أذكرها هنا ملخص ذلك فأقول : للكلام فيه مقدمات :
المقدمة الأولى أنا قد دللنا على أن النفوس البشرية باقية بعد موت الأبدان وتلك التي فارقت أبدانها أقوى من هذه النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه وهذه النفوس أقوى من تلك من بعض الوجوه ، أما أن النفوس المفارقة أقوى من هذه النفوس من بعض الوجوه فهو أن تلك النفوس لما فارقت أبدانها فقد زال الغطاء وانكشف لها عالم الغيب وأسرار منازل الآخرة وصارت العلوم التي كانت برهانية عند التعلق بالأبدان ، ضرورية بعد مفارقة الأبدان ، لأن النفوس في الأبدان كانت في عناء وغطاء ولما زال البدن أشرقت تلك النفوس وتجلت وتلألأت فحصل للنفوس المفارقة عن الأبدان بهذا الطريق نوع من الكمال ، وأما أن النفوس المتعلقة بالأبدان أقوى من تلك النفوس المفارقة من وجه آخر فلأن آلات الكسب والطلب باقية لهذه النفوس بواسطة الأفكار المتلاحقة والأنظار المتتالية تستفيد كل يوم علما جديدا ، وهذه الحالة غير حاصلة للنفوس المفارقة
والمقدمة الثانية أن تعلق النفوس بأبدانها تعلق يشبه العشق الشديد والحب التام ولهذا السبب كان كل شئ تطلب تحصيله في الدنيا فإنما تطلبه لتتوصل به إلى إيصال الخير والراحة إلى هذا البدن فإذا مات الإنسان وفارقت النفس هذا البدن فذلك الميل يبقى وذلك العشق لا يزول وتبقى تلك النفوس عظيمة الميل إلى ذلك البدن عظيمة الانجذاب ، على المذهب الذي نصرناه من أن النفوس الناطقة مدركة للجزئيات وأنها تبقى موصوفة بهذا الإدراك بعد موتها
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوى النفس كامل الجوهر شديد التأثير ووقف هنا ساعة وتأثرت نفسه من تلك التربة – وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقا بتلك التربة أيضا – فحينئذ يحصل لنفس هذا الزائر الحى ولنفس ذلك الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة ، فصارت هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى ، فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحى من المعارف البرهانية والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة من الخضوع لله والرضا بقضاء الله ينعكس منه نور إلى روح ذلك الميت ، وكل ما حصل في نفس ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرقة الكاملة فإنه ينعكس منه نور إلى روح هذا الزائر الحى وبهذا الطريق تكون تلك الزيارة سببا لحصول المنفعة الكبرى والبهجة العظمى لروح الزائر ولروح المزور ، وهذا هو السبب الأصلي في شرعية الزيارة ، ولا يبعد أن تحصل فيها أسرار أخرى أدق وأغمض مما ذكرناه ، وتمام العلم بحقائق الأشياء ليس إلا عند الله . اه
وها أنت رأيت ما يراه الإمام فخر الدين الرازي في الزيارة من الأخذ والعطاء والاستفاضة والإفاضة على نسبة منزلتي الزائر والمزور
وقال العلامة المحقق السعد التفتازاني في شرح المقاصد – وهو من أمهات كتب أصول الدين – ج2ص32 في الرد على الفلاسفة : لما كان إدراك الجزئيات مشروطا عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط ، وعندنا لما لم تكن الآلات شرطا في إدراك الجزئيات إما لأنه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس ، وإما لأنه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئى في النفس ، بال الظاهر من قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات جزئية واطلاع على على بعض جزئيات أحوال الأحياء سيما الذين كان بينهم وبين الميت تعارف في الدنيا ، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات ، فإن للنفس بعد المفارقة تعليقا ما بالبدن وبالتربة التي دفن فيها ، فإذا زار الحى تلك التربة وتوجهت نفسه الميت حصل بين النفسين ملاقاة وإفاضات . اه
هذا هو تحقيق هذا الإمام الجليل في المسألة ، أفهذا أيضا ممن لا يميز بين التوحيد والإشراك ؟
فتعسا لرأس يتخيل ذلك !
وقال التفتازاني أيضاً في ص150 من الجزء المذكور : وبالجملة ظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء ، وإنكارها ليس بعجيب من أهل البدع والأهواء إذ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شئ مع اجتهادهم في أمور العبادات واجتناب السيئات فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات يمزقون أديمهم ويمضغون لحومهم لا يسمونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة ولا يعدونهم إلا في عداد آحاد المبتدعة قاعدين تحت المثل السائر ( أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل ) ولم يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة ونقاء السريرة واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة . اه
وهذا هو قول هذا الإمام الجليل في أولياء الله أصحاب الكرامات مع أنه لا صلة له بالمتصوف ، وفي ذلك عبرة لمن تعود أن يلغ في دماء أصفياء الأمة
وقال السيد الشريف الجرجاني في أزائل حاشيته على ( المطالع ) عند بيان الشارح وجه الصلاة على النبي وأنه عليه وعليهم الصلاة والسلام في أوائل الكتب ، ووجه الحاجة إلى التوسل بهم في الاستفاضة : فإن قيل هذا التوسل إنما يتصور إذا كانوا متعلقين بالأبدان وأما إذا تجردوا عنها فلا ، إذ لا جهة مقتضية للمناسبة ، قلنا يكفيه أنهم كانوا متعلقين بها متوجهين إلى تكميل النفوس الناقصة بهمة عالية فإن أثر ذلك باق فيهم ، ولذلك كانت زيارة مراقدهم معدة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده أصحاب البصائر . اه
فتطابق الكتاب والسنة وعمل الأمة المتوارث وكلام أئمة أصول الدين في المسألة كما رأيت ، ومن عاند بعد ذلك فهو زائغ عن السبيل
وأتحدث الآن بإذن الله عن الأحاديث والآثار المروية في هذا الباب تفصيلا لما أجملناه هنا بعد الإشارة إلى الآيات في ذلك :
فأقول : سبق أن تلونا قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } احتجاجا به على أن التوسل بالذوات والأعمال مطلوب شرعا لشمول ابتغاء الوسيلة لهذا وذاك لا بمجرد الرأى فقط ولا بالعموم اللغوى فحسب بل بما رواه ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) عن عمر (رض) أنه قال بعد أن استسقى بالعباس (رض) وسقوا ( هذا – والله – الوسيلة إلى الله عز وجل والمكان منه ) وزد على ذلك قول عمر ايضا كما قي ( أنساب الزبير بن بكار ) على ما في فتح الباري ( واتخذوه – يعني العباس – وسيلة إلى الله ) ولا يتصور أن يكون هذا بمعنى اطلبوا الدعاء منه لأن عمر طلب منه الدعاء وتقدم هو للدعاء ، وبعد طلب أمير المؤمنين منه الدعاء وتقدمه للدعاء إجابة لطلب عمر لا يكون قول عمر هذا إلا بمعنى ( توسلوا به إلى الله ) كما فعل عمر نفسه ، لكن الهوى يعمى ويصم
وفي فتح الباري ح2ص337 : وليس في قول عمر إنهم كانوا يتوسلون به دلالة على أنهم سألوه أن يستسقى لهم إذ يحتمل أن يكونوا في الحالين طلبوا السقيا من الله مستشفعين به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وقال ابن رشد : أراد بالترجمة ( باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء ) الاستدلال بطريق الأولى لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال . اه
وكلام الحافظين يقضى على وهم من يهم قائلا إن التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) هو طلب الدعاء منه ، وأين التوسل من الدعاء ؟ نعم قد يدعو المتوسل به للمتوسل لكن ليس هذا مدلولا لغويا ولا شرعيا للتوسل ، ويستأنس في التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بما ذكره البغوى وغيره من أهل التفسير بالرواية في قوله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } من أن اليهود كانوا إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو يقولون ( اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة ، فكانوا ينصرون ) واستقصاء الروايات في ذلك في الدر المنثور للسيوطي
وتخصيص قوله تعال { ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } بما قبل الموت تخصيص بدون حجة عن هوى ، وترك المطلق على إطلاقه مما اتفق عليه أهل الحق ، والتقييد لا يكون إلا بحجة ، ولا حجة هنا تقيد الآية ، بل فقهاء المذاهب حتى الحنابلة على شمول الآية لما بعد الموت – والأنبياء أحياء في قبورهم – وقد ذكرنا صيغة التوسل به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) عند الحنابلة وقت زيارة قبره نقلا من كتاب ( التذكرة لأبي الوفاء بن عقيل ) من قدماء الحنابلة في أواخر تكملتنا للرد على نونية ابن القيم ، وفيها التوسل وتلاوة تلك الآية ، وليس خبر العتبي مما يرد بجره قلم
ولنعد الآن إلى الكلام في بعض الأحاديث والآثار الواردة في التوسل تفصيلا لما أجملناه فيما سبق : فمنها ما أخرجه البخاري في الاستسقاء حيث قال في صحيحه : حدثني الحسن بن محمد قال حدثنا محمد الأنصاري قال حدثني أبي عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أن عمر بن الخطاب (رض) كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال ( اللهم انا كنا نتوسل اليك بنينا ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقينا ، قال فيسقون ) وفيه التوسل بالذات ، وادعاء أن هناك مضافا محذوفا أى بدعاء عم نبينا تقول محض بدون أى حجة ، كما أن فرض العدول – لوفاة النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم – إلى العباس تقويل لعمر مالم يخطر له على بال ، بل فيه جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ، بل التوسط بلفظ ( بعم نبينا ) توسل بقرابة العباس منه ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وبمنزلته لديه فيكون هذا التوسل توسلا به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) أيضا ، ولفظ ( كنا ) غير خاص بعهد النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) يشمله وما بعده إلى عام الرمادة ، والتقييد بدون مقيد ، وكان ابن عمر (رض) يتمثل بشعر أبي طالب [ عليه السلام ] وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ، كما في البخاري ، بل روى استنشاد الرسول ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ذلك الشعر كما في فتح الباري ، وفي شعر حسان (رض) فسقى الغمام بعزة العباس ، كما في الاستيعاب وفي كل طلب السقيا من الله بذات العباس وجاهه عند الله
ومنها ما أخرجه البيهقي – وبطريقه أخرجه التقي السبكي في شفاء السقام – وغيره من حديث مالك الدار في استسقاء بلال بن الحارث المزني (رض) في عهد عمر بالنبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) ومالك الدار بالإضافة هو مالك بن عياض مولى عمر وكان خازنه ، وقد ولاه وكله عيال عمر ، ثم ولاه عثمان (رض) القسم فسمى مالك الدار ، كما في طبقات ابن سعد والإصابة ، وفي معارف ابن قتيبة : ومن موالى عمر بن الخطاب ، مالك الدار وكان عمر ولاه دار وكان يقسم بين الناس فيها شيئا .اه
ونص الحديث ( أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب (رض) فجاء رجل إلى قبر النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) فقال يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) في المنام فقال ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون ) الحديث
ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وهو في البرزخ ودعاؤه لربه وعلمه بسؤال من يسأله ولم ينكر صنيعه هذا أحد من الصحابة ، وقد أخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه بطريق أبي صالح ذكوان مختصرا ، وأخرجه ابن أبي خيثمة من هذا الوجه مطولا كما في الإصابة ، وأخرجه ايضا ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما نص عليه ابن حجر في الفتح ج2ص338 من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار قال ابن حجر : ان الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة كما روى سيف في الفتوح .اه
وهذا نص على عمل الصحابة في الاستسقاء به ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعد وفاته حيث لم ينكر عليه أحد منهم مع بلوغ الخبر إليهم ، وما يرفع إلى أمير المؤمنين يذيع ويشيع ، فهذا يقطع ألسنة المتقولين
ومنها حديث عثمان بن حنيف (رض) في دعاء علمه النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وفيه ( اللهم أني أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي .. الحديث ) وفيه التوسل بذات النبي ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وبجاهه ونداء له في غيبته ، وهذا أيضا مما يقطع ألسنة المتقولين وهذا الحديث أخرجه البخاري في تاريخه الكبير والترمذي في أواخر الدعوات من جامعه ، وابن ماجه في صلاة الحاجة من سننه ، وفيه نص على صحته ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة والبيهقي في دلائل النبوة ، وغيره على اختلاف يسير في غيره موضع الاستشهاد ، وصححه جماعة من الحفاظ يقارب عددهم خمسة عشر حافظا ، فمنهم سوى المتأخرين : الترمذي وابن حبان والحاكم والطبراني وأبو نعيم والبيهقي والمنذري
وسند الترمذي ( حدثنا محمود بن غيلان نا عثمان بن عمر نا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف ) ثم ساق الحديث وقال ( هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمى وفي بعض النسخ المطبوعة ( وهو غير الخطمى ) وفي بعضها ( وليس هو الخطمى ) وهذا وذاك من تصرفات الناسخين وليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان ويترك من غير بيان ، على أن أبا جعفر الراوى عن عمارة بين شيوخ شعبة أنما هو عمير بن يزيد الخطمى المدني الأصل ثم البصري كما يظهر من كتب الرجال المعروفة من مطبوع ومخطوط ، وأبو جعفر الرازى المتوفى سنة 160 هـ من شيوخ شعبة لم يدرك عمارة المتوفى سنة 105 هـ أصلا لأن رحلته إلى الحجاز بعد وفاة عمارة بنحو تسع سنين ، وشعبة شعبة في التثبيت فيما يروى ، على أن طرقا أخرى للحديث عند الطبراني وغيره تنص في صلب السند على أنه الخطمى الثقة باتفاق ، وسند الطبراني في هذا الحديث مسوق في شفاء السقام للتقي السبكي
ورجال سند الترمذي كلهم ثقات وانما سماه غريبا لانفراد عثمان بن عمر عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة ، وهما ثقتان باتفاق ، وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث ( إنما الأعمال بالنيات ) وسماه حسنا أيضا لتعدد طرقه بعد أبي جعفر وعثمان بن عمر ، وتسميته صحيحا باعتبار تكامل أوصاف الصحة في روائه
ومنها حديث عثمان بن حنيف أيضا في تعليل دعاء صلاة الحاجة المذكور لرجل كانت له حاجة عند عثمان بن عفان (رض) فدعا به فقضيت حاجته ، وموضع الاستشهاد أن الصحابي المذكور فهم من حديث دعاء الحاجة أنه لا يختص بزمنه ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وهذا توسل به نداء بعد وفاته ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وعمل متوارث بين الصحابة (رض) وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في الكبير وصححه بعد سوقة من طرق كما ذكره أبو الحسن الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) وأقره عليه كما أقر المنذري قبله في ( الترغيب ) وقبله أبو الحسن المقدسي ، وأخرجه أيضا أبو نعيم في المعرفة والبيهقي من طريقين واسنادهما صحيح أيضا
ومنها حديث فاطمة بنت أسد (رض) وفيه من لفظ الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم ( بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلى ) وصححه ابن حبان والحاكم وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بسند فيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في ( المجمع ) وفيه التوسل بذوات الأنبياء الذين انتقلوا إلى الدار الآخرة
ومنها أيضا حديث عمر (رض) عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ( لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي .. ) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح الاسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .اه
وساق سنده التقي السبكي في ( شفاء السقام ) وأخرجه الطبراني في الأوسط والصغير ، وفي سندهما بعض من لا يعرفه الهيثمي ، وأما عبد الرحمن بن زيد فقد ضعفه مالك وتابعه آخرون إلا أنه لم يتهم بالكذب بل بالوهم ومثله ينتقى بعض أحاديثه ، وهذا هو الذي فعله الحاكم حيث رأى أن الخبر مما قبله مالك فيما روى ابن حميد عنه حيث قال لأبي جعفر المنصور ( وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام )
وبعد أن أقر الإمام مالك (رض) بصحة الخبر واحتج به زالت تهمة الوهم وقلة الضبط عن عبد الرحمن الذى إنما يقتدى من رماه بذلك بمالك وعبد الرحمن بن زيد ليس ممن يرد خبره مطلقا ، وهاهو الإمام الشافعي يستدل في دين الله ببعض حديثه في الأم وفي مسنده فلا لوم على الحاكم في عده هذا الحديث صحيحا
بل هو الصحيح إلا عند من يضيق صدره عند سماع فضائل المصطفى ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وأما قول مالك لأبي جعفر المذكور فهو ما أخرجه القاضي عياض في ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى ) بسند حسن ، وابن حميد في السند هو محمد بن حميد الرازي في الراجح على خلاف ما ظنه التقي السبكي
لكن الرازى هذا ليس حاله كما يريد أن يصوره الشمس بن عبد الهادي حيث حشر قول جميع من تكلم فيه ، وأهمل كلام من أثنى عليه ، وهو أحد الثلاثة الذين اتصلوا بابن تيمية وهم شباب فانخدعوا به فزاغوا ، يذكر الجرح ويغفل التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه
ومحمد بن حميد هذا روى عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، قال ابن أبي خيثمة : سئل عنه ابن معين فقال : ثقة لا بأس به رازى كيس ، وقال أحمد : لا يزال بالرى علم مادام محمد بن حميد ، وممن أثنى عليه الصاغاني والذهلي ، وقال الخليل في الارشاد : كان حافظا عاماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحيى ، وقال البخاري : فيه نظر ، وليس مثله يتهم في مثل هذا الخبر ، وقد مات سنة 248 هـ عن سن عالية ، وكان عمره عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشر سنة ، وهم يقبلون رواية ابن خمس في مسند إمامهم ، ويعقوب بن إسحاق لا بأس به كما ذكره الخطيب في تاريخه وأبو الحسن عبد الله بن محمد بن المنتاب من أجل أصحاب إسماعيل القاضي ولاه المقتدر قضاء المدينة المنورة حوالى سنة ثلاثمائة ، ولم يكن غير الثقات الأفذاذ من أهل العلم ليولى قضاء المدينة المنورة في ذلك العهد – واسم ابن المنتاب يهم فيه كثير – وصاحبه محمد بن أحمد بن الفرج وثقه السمعاني في الأنساب عند ذكر الجزائري وأقره ابن الأثير في ( اللباب ) وأبو الحسن الفهري من الثقات الأثبات مترجم في العبر للذهبي ، وابن دلهاث من ثقات شيوخ ابن عبد البر مترجم في صلة ابن بشكوال ، وألم السبكي بأحوالهم في الشفاء بما لا يخرج عما ذكرناه
وابن عبد الهادي يأبى قبول هذا الخبر لأنه يمس شذوذ شيخه ليس إلا أراد ابن المنتاب بسوق هذا الخبر الرد على ما في مبسوط شيخه إسماعيل القاضي المخالف لما رواه ابن وهب عن مالك ، وإسماعيل من أهل العراق ، وأهل مصر والمدينة أعلم بمسائل مالك منهم ، على أن إسماعيل لم يسند ما ذكره إلى مالك بل أرسله إرسالا ، لكنه حيث وافق هوى ابن عبد الهادي يقبله منه بدون سؤال عن سنده بخلاف ماهنا ، ويطريه إطراء يغنيه عن ذكر السند في نظره فكأنه لم ير قول داود الأصفهاني فيه ، ولله في خلقه شؤون
على أنه قد وردت أخبار أخرى في توسل آدم يعضد بعضها بعضا استغنينا عن ذكرها اكتفاء بما سطرناه ، لأن الأحاديث السابقة فيها كفاية لغير المتعنت
ومنها حديث أبي سعيد الخدري (رض) في سنن ابن ماجه في باب المشى إلى الصلاة ( من خرج من بيته إلى الصلاة فقال إني أسألك بحق السائلين عليك .. الحديث ) قال الشهاب البوصيري في ( مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ) هذا إسناد مسلسل بالضعفاء ، عطية هو العوفى وفضيل ابن مرزوق والفضيل بن الموفق كلهم ضعفاء لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق فضيل بن مرزوق فهو صحيح عنده ، وذكره رزين ورواه أحمد بن منيع في مسنده ثنا يزيد ثنا فضيل بن مرزوق فذكره بإسناده ومتنه . اه
وقال علاء الدين مغلطاى في الإعلام شرح سنن ابن ماجه : ذكره أبو نعيم الفضل ( هو ابن دكين ) في كتاب الصلاة عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري موقفا اه. ولم ينفرد عطية عن الخدري بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبد الحكم بن ذكوان ، وهو ثقة عن ابن حبان وان أغفله أبو الفرج في علله
وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة بسنده فيه الوازع ، عن بلال وليس فيه عطية ، ولا ابن مرزوق ولا ابن الموفق ( اللهم بحق السائلين عليك )فظهر انه لم ينفرد عطية ولا ابن مرزوق ولا ابن الموفق بالنظر إلى هذه الطرق على فرض ضعف الثلاثة ، مع أن يزيد بن هارون شيخ أحمد بن منيع شارك ابن الموفق في روايته عن ابن مرزوق وكذا الفضل بن دكين وابن فضيل وسليمان بن حيان وغيرهم ، وعطية جرح بالتشيع لكن حسن له الترمذي عدة أحاديث ، وعن ابن معين أنه صالح وعن ابن سعد : ثقة إن شاء الله ، وعن ابن عدى : له أحاديث صالحة ، وبعد التصريح بالخدري لا يبقى احتمال التدليس ولا سيما مع المتابعة ، وابن مرزوق ترجح توثيقه عند مسلم فروى عنه في صحيحه
على أن الحديث مروى بطريق بلال (رض) أيضا فلا تنزل درجة الحديث مهما نزلت عن درجة الاحتجاج به ، بل يدور أمره بين الصحة والحسن لكثرة المتابعات والشواهد كما أشرنا إليها ، وقول من يقول إن الجرح مقدم على التعديل على ضعفه فيما إذا تعارضا بتكافئهما في الميزان ، ودون إثبات ذلك مفاوز ، فلا يتمكن المبتدعة من اتخاذ ذلك تكأة لرد الأحاديث الثابتة برواية رجال وثقهم أهل الشأن بترجح ذلك عندهم ، وقد حسن هذا الحديث الحافظ العراقي في تخريج الإحياء وابن حجر في أمال الأذكار
وفي الحديث التوسل بعامة المسلمين وخاصتهم ، وإدخال الباء في أحد مفعولى السؤال إنما في السؤال الاستعلامي كقوله تعالى { فسئل به خيرا } و { سأل سائل بعذاب واقع } وأما السؤال الاستعطائى فلا تدخل الباء فيه أصلا إلا على التوسل به ، فدونك الأدعية المأثورة ، فتصور إدخالها هنا في المفعول الثاني ، اخراج للكلام عن سننه بهوى وصيحة باطل تمجها الأسماع ، وليس معنى الحق الإجابة بل ما يستحقه السائلون المتضرعون فضلا من الله سبحانه ، فيكون عد ( بحق السائلين ) سؤلا لهذا الداعى هذيان محضا ولا سيما عند ملاحظة ما عطف عليه في الحديث ، وأما زعم أنه ليس في سياق الحديث ما يصلح أن يكون سؤلا غير ذلك فمما يثير الضحك الشديد والهزء المديد فأين ذهب عن هذا الزاعم ( أن تعيذنى من النار ..) ؟ وكم يكرر الفعل للتوكيد ؟ فالسؤل في الفعل الأخير هو السؤل في الفعلين المتقدمين بل لو لم تكن تلك الأفعال من باب التوكيد لدخلت في باب التنازع فيكون هذا القيد معتبرا في الجميع على كل تقدير
وأما من يحاول رد التوسل بتصور دخوله في الحلف بغير الله فإنما حاول الرد على المصطفى ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) لأنه هو الذي علم صيغ التوسل وفيها التوسل بالأشخاص ، وأين التوسل من الحلف ؟
ولا بأس أن تزيد هنا كلمة في الاستغاثة والاستعانة والكل من واد واحد : ففي حديث الشفاعة عند البخاري ( استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم ) وهذا يدل على جواز استعمال لفظ الاستغاثة في صدد التوسل ، وأما حديث ( لا يستغاث بي ) عند الطبراني ففي سنده ابن لهيعة وقد شرحنا حاله في ( الإشفاق ) فلا يناهض الحديث الصحيح
وأما حديث ( وإذا استعنت فاستعن بالله ) فبمعنى ( عند استعانتك بأى مستعان فاستعن بالله ) على لين في طرقه كلها – حملا على الحقيقة – فالمسلم لا ينسى مسبب الأسباب عندما يستعين بسبب من الأسباب ، وها هو عمر (رض) حينما استسقى بالعباس (رض) لم ينس أن يقول آن الاستسقاء ( اللهم فاسقنا ) وهذا هو الأدب الإسلامي ، ولو لم نحمل الحديث على هذا المعنى لتكلفنا المجاز ولعارضته عدة آيات وأحاديث ، في سردها طول ، على أن لفظ ( إذا ) في الحديث بعيد عن افادة معنى ( كلما ) بل هو من صيغ الإهمال عند المناطقة فلا يكون للخصم مجال أن يتمسك به أصلا ، وزد على ذلك إفراد الضمير ، والخاصة ومنهم ابن عباس (رض) يحسن بهم أن تكون استعانتهم بمسبب الأسباب
وأما قوله تعالى { وإياك نستعين } ففي العبادة والهداية بقرينة السباق والسياق كما هو الجدير بحال المناجاة فلا يكون فيه تعطيل الأسباب العادية الدنيوية
وقد أحسن صديقنا العلامة المحقق صاحب المؤلفات الممتعة الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسنين العدوى المالكي رحمه الله حيث ألف عدة كتب في دفع شبه يصطنعها التيميون حول التوسل فأزاح ظلماتهم ببيانه العذب وتحقيقه الرائع ، ومقامه في العلم فوق منازل شيوخ مشايخ هؤلاء بدرجات اتفاقا بين أهل العلم
وأما سماع أصحاب القبور وإدراكهم فمن أوسع من سرد أدلة ذلك المحدث عبد الحى اللكنوي في ( تذكرة الراشد ) وأما قوله تعالى { وما أنت بمسمع من في القبور } ففي حق المشركين عند المحققين وهناك تحقيق ذلك أيضا فلا تلتفت إلى مغالطات المغالطين
وبتلك الأحاديث والآثار يظهر أن من ينكر التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين أحياء وأمواتا ليس عنده أدنى حجة ، وأن رمى المسلمين بالإشراك بسبب التوسل ما هو إلا تهور يرجع ضرره إلى الرامى ، نسأل الله السلامة
وأما إن كان بين العامة من يخطئ في مراعاة أدب الزيارة والتوسل فمن واجب أهل العلم إرشادهم إلى الصواب برفق ، وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن ابتدع إنكار ذلك الحراني فرد أهل العلم كيده في نحره ودامت فتنته عند جاهلى بلاياه ، وقد غلط الآلوسي وابنه المتصرف في تفسيره بعض غلط ترده عليها تلك الأدلة ، وكانا مضطربين في مسائل من عدوى جيرانهما وبعض شيوخهما ، وليس هذا بموضع بسط لذكر ذلك
ومن أراد أن يعرف عمل الأمة في التوسل بخير الخلق فليراجع ( مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام ) للإمام القدوة أبي عبد الله النعمانى محمد بن موسى التلمساني المالكي المتوفى سنة 683 هـ وهو من محفوظات دار الكتب المصرية
وفي ذلك كفاية لغير المتعنتين ، ومن الله الهداية والتوفيق .
-----------
لا أعرف أن عالماً مات فخلا مكانه في هذه السنين كما خلا مكان الإمام الكوثري لأنه بقية السلف الصالح الذين لم يجعلوا العلم مرتزقاً ولا سلماً لغاية .. كان مُتبعاً ولم يكن مُبتدعاً .. لقد كان الإمام الكوثري عالماً حقاً عرف علمه العلماء وقليل منهم من أدرك جهاده ولقد عرفته سنين قبل أن ألقاه عرفته في كتاباته التي يُشرق فيها نور الحق وعرفته في تعليقاته على المخطوطات التي قام على نشرها وما كان والله عجبي من المخطوط بقدر إعجابي بتعليق من علق عليه .. الشيخ محمد أبو زهرة .