قشوطة
23-04-2007, 11:47 PM
إن تاريخ بلادنا ملئ بالصور الجميلة لحياة رجالها العلماء والفقهاء من كبار رجال التصوف، وهي صور وإن كانت معلومة لمتتبعي تاريخ التصوف في ليبيا إلا أنها مجهولة للغالبية العظمى من الدارسين والمثقفين، لذلك تحتاج إلى من يكشف عنها ويوقم بالتعريف بها للجيل الحاضر والأجيال المقبلة أكثرها.
تاريخ التصوف في بلادنا ما زال بكرا في الدراسات والبحوث فحري بنا أن نشمر عن سواعدنا للبحث والتنقيب والدراسة والتمحيص لهذا التراث الضخم الذي تركه الأجداد باتباع الأسلوب العلمي حفظا لجهودهم وتواصلا على خطاهم ووفاء لإخلاصهم؛ وسعيا وراء ذلك نقدم في هذه المقالة أحد علماء التصوف الكبار وهو من أعلام الطريقة العيساوية في اطرابلس الغرب ممن ساهموا بدور كبير في تجسيد رسالة التصوف وإرساء مبادئه قولا وعملا، فمن خلال سيرته التي سنستعرضها يتضح لنا أن هذا العالم الجليل والمربي الفاضل والمصلح الكبير المجاهد في سبيل الله لم ينل حظه من التعريف به ودراسة حياته وسيرته ومواقفه المشرفة في سبيل الحق وآثاره العلمية، وقد وقفت على بعض المصادر المخطوطة تمكنت من خلالها الاطلاع على جوانب أخرى في حياة هذا العلم لها اتصال بتاريخ البلاد لم تشر إليها المصادر القليلة التي ترجمت له والتي غفلت عنها وعن آثاره العلمية التي تركها، وهي تدل على أن ما قام به هذا العالم الصوفي الجليل يبرهن على أن التصوف ليس دروشة وخرافات وانغلاقا عن الناس وابتعادا عن المجتمع والهروب من الواقع والإغراق في الكرامات والقول بالغيبيات والانشغال بالملهيات، إن التصوف عكس ذلك تماما إنه باختصار رسالة سامية.
أولا- مولده ونسبه:
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد المسعودي بن محمد التواتي بن محمد المسعودي بن محمد الصيدي، ينتهي نسبه إلى الولي الصالح سيدي محمد الصيد ومنه إلى الولي الصالح سيدي عبد السلام بن مشيش دفين المغرب.
ولد الشيخ محمد المسعودي سنة 1214هـ (1799م) في مدينة اطرابلس، قال الأستاذ أحمد النائب: (إن بيته بيت علم وبركة وصلاح من أسلافه الكرام)؛ تربى في كنف والده إلى أن بلغ من العمر سبع سنوات، ثم توفي والده فحضنته جدته لأمه السيدة الزهراء بنت السيد أحمد بن حامد الصيدي إلى أن توفيت وهو آنذاك ابن اثنتي عشرة سنة، حفظ القرآن الكريم على يد أستاذه ومربيه العالم سيدي محمد بن علي بن عبد النور، كما تلقى عنه بعض العلوم الأخرى ولازم الشيخ محمد المسعودي خدمة شيخه المذكور سنوات، وكان شيخه قد أخذ العلوم عن عمه الأستاذ أبي اسحاق إبراهيم بن عبد النور وأصله من زليطن، درس في الأزهر الشريف، ولما عاد إلى وطنه سكن في الهنشير، والشيخ إبراهيم أخذ عن عدة شيوخ من مصر كان من أجلهم الأستاذ الكبير والعلم الشهير الشيخ علي الصعيدي العدوي المالكي صاحب المؤلفات المشهورة، ويعتبر الشيخ إبراهيم من تلاميذه.
ثانيا- تحصيله العلمي:
بعد حفظه للقرآن الكريم انكب على دراسة العلوم منها التفسير والحديث والفقه وسائر العلوم الأخرى التي كانت سائدة في بيئته آنذاك، كل ذلك على يد شيوخ وطنه، وقد ذكر الشيخ محمد زغوان أن الشيخ محمد المسعودي كان من أجل وأعظم علماء اطرابلس، وهو نادرة عصره وفريد دهره في الحفظ والنقل الصحيح خصوصا في علمي الحديث والفقه، وقد انتفع به خلق كثير، وشدت إليه في وقته الرحال من كل الجهات ليأخذوا عنه العلم والفتوى ورواية الحديث، واشتهر بذلك في سائر البلاد وشهد له بالفضل والتقدم والفتوى أهل الفضل وأهل الانتقاد.
كما تذكر المصادر أنه رحل إلى مصر وجاور بالأزهر وحضر مجالس أهل العلم والعرفان ولقي الأفاضل من الأساتيذ الكبار ذوي الشأن وأجازوه بما لديهم من معقول ومنقول، يقول الأستاذ أحمد النائب: إن من شيوخه العالم الجليل الشيخ العدوي الصعيدي[ت1189هـ].. وهو لبس وقع فيه الأستاذ أحمد النائب لأن مترجمنا ولد سنة 1214هـ أي بعد وفاة الشيخ علي العدوي الصعيدي بخمس وعشرين سنة، والصحيح أن سنده العلمي يعود إلى الشيخ المذكور، روى ذلك الشيخ محمد زغوان في ترجمته حيث ذكر أن سند الشيخ محمد المسعودي في التفسير والحديث والفقه يعود إلى الشيخ علي العدوي الصعيدي الذي هو شيخ شيوخه.. ولعله المقصود في قول أحمد النائب الذي يذكر أن الشيخ محمد المسعودي عاد من رحلة إلى بلده فكان صدرا من صدور الأفاضل ومن أعيان الأماثل مؤلفا متقنا مجيدا ومن أصحاب الحديث والرواية، حافظا لحديث البخاري ورجاله حائزا من العلوم الأصولية والفروعية أوفر نصيب ذاكرا للمذهب لا يجاريه فيه أحد.
كانت للشيخ محمد المسعودي رحلات أخرى؛ منها رحلة إلى الآستانة إذ تم ابعاده إليها، ورحلة إلى تونس لأخذ الإجازة في الطريقة العيساوية، ورحلة إلى بنغازي وكذلك إلى الجبل الغربي، ولاشك أن هذه الرحلات أضافت إليه معلومات وخبرات من خلال لقاءاته بالعلماء والشيوخ مما سوف نلقي عليه بعض التوضيح فيما بعد.
ثالثا- طريقته الصوفية:
اشتهر الشيخ محمد المسعودي بالتصوف إلى جانب معرفته لعلوم الفقه والحديث وغيرها، وتذكر المصادر أنه أخذ الطريقة العيساوية وعمره خمس وعشرون سنة، أخذها عن أحد المتقدمين في هذه الطريقة داخل المدينة، واستمر معه في تلاوة أورادها إلا أنه شاهد أثناء الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بعض المنتسبين للطريقة يقومون بضرب الدفوف وأكل المسامير وضرب السكاكين، فأنكر الشيخ محمد المسعودي على تلك الأفعال، وقال: إن الطريقة هي الكتاب والسنة؛ والطريقة التي تخرج عن الكتاب والسنة ليست بطريقة، وسلم إلى مقدمها سبحته وأوراده وانسلخ منها.
يدل هذا الموقف على قوة شخصيته وانحيازه إلى آراء بعض الفقهاء الذين ينكرون هذه الأشياء ولايسلمون بها، فهؤلاء يرون أن هذه الأفعال بعيدة عن عبادة الله، كما أنها لا تدل على التصوف الحقيقي الذي هو التقرب إلى الله، ولاشك أنه لقي معارضة في هذا الرأي إلا أنه لم يسلم بالأمر، وظل يبحث عن الحقيقة؛ لذلك قرر السفر إلى تونس للقاء الشيخ علي أبو القاسم الشريف شيخ الطريقة العيساوية بتونس، فاصطحب معه اثنين من تلاميذه وهما الشيخ علي البوني والشيخ يوسف معلم؛ فاكتروا مركبا يسير بالشراع فانطلق بهم ليلة الخميس 19 شعبان 1264هـ فواجهتهم رياح شديدة مقابل جزيرة جربة ثم وصلوا بسلامة الله إلى تونس؛ وهناك وجدوا الشيخ علي الشريف مريضا، ولكنه استقبلهم ورحب بهم ومكثوا مدة في تونس، كان خلالها يتردد على الزاوية العيساوية لحضور الذكر والأوراد، وقد ذكر ذلك في رحلته حيث قالوفي ضحى يوم السبت أتينا لدار الشيخ رضي الله عنه ودخلنا لبيته وأوقفه بعض الإخوان لمعانقتنا فعانقني وضمني إليه وأجلسني فوق سريره وصافحني وناولني السبحة ولقنني الذكر ودعا لي وأجاز لي وأوصاني وذاكرني بمحضر من الإخوان).. بعد عودته من تونس يذكر الشيخ سالم ضرغام نقلا عن الشيخ محمد سعيد المسعودي أن الشيخ استقبل استقبالا طيبا من سكان باب البحر بالمدينة القديمة وبنوا له الزاوية الصغيرة وطلبوا منه المشيخة فوافقهم وبقي شيخا للزاوية إلى أن جاء شهر المولد فقام بعض المنتسبين للعيساوية كعادتهم بالاحتفال به ومارسوا أكل المسامير وضرب السكاكين والدفوف، فأنكر عليهم وقال لهم: نحن تخالفنا مع المقدمين من أجل هذا؟!! وقام بوضع تأليف في الأذكار العيساوية يبدو أنه تناول فيه هذه الأفعال وبيان أنها لم تكن من الدين في شيء، إلا أنهم أصروا على رأيهم فقرأ عليهم ما كتبه فما زادهم إلا استكبارا... اشتدت الحيرة على الشيخ فهو يؤمن بأن التصوف هو التقرب إلى الله تعالى وأنه بعيد عن ما يقوم به هؤلاء، وهو على درجة من العلم لا تسمح له بالسكوت عن شيء يخالف الشريعة، وشخصيته القوية لا تجعله يستكين للضغوط مهما كان نوعها ما دام على سبيل الحق، فأخذ يبحث عن شخص متمكن في الطريقة يفصل بينه وبين القوم، أو يدله على رأي يساعده في تلمس الطريق فقيل له: إن شيخا من ذرية الشيخ محمد بن عيسى موجود حاليا في بنغازي اسمه الشيخ الهياض وذلك بمناسبة افتتاح زاوية جديدة هناك فتوجه إليه؛ غير أن الأستاذ أحمد القطعاني يذكر أن المقابلة كانت مع الشيخ أحمد بن محمد المستغانمي وهو رجل من كمل أهل الله أخذ عن سلسلة من علماء الطريقة العيساوية تنتهي إلى الشيخ أبي مهدي الملقب بالهياض عن والده شيخ الطريقة والشريعة والحقيقة القطب الغوث سيدي محمد بن عيسى، وهذه الرواية هي الأقرب للصواب لأن الفارق الزمني بين وفاة الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى [ت933هـ-1530م] وحياة الشيخ محمد المسعودي لا تدل على امكانية اللقاء بينه وبين حفيد الشيخ الكامل رحمهما الله... وتتفق الروايات على أن هذا اللقاء يعتبر نقلة نوعية في حياة الشيخ المسعودي الصوفية، سواء تعلق بالأفعال التي كان ينكرها أو بالكرامات التي تظهر على بعض المتصوفة، حيث أصابه شعور داخلي أغناه فيما يبدو عن السؤال الذي حضر من أجله، وقد ظهرت له كرامة بين يدي الشيخ فأجازه في الطريقة وعزز سنده الذي تحصل عليه من تونس بما أفاض الله عليه في بنغازي، فكان هذا التحول الكبير في حياته والذي أسفر عن ولادة عالم جليل في الطريقة العيساوية الصوفية جمع بينها وبين العلوم العقلية والنقلية من فقه وحديث وأصول وغيرها مما جعله شيخا لهذه الطريقة بلا منازع.
رابعا- نضاله وجهاده في نصرة الحق:
إن ما ورد في سيرته الصوفية يدل على أنه صاحب شخصية قوية فهو لم يسلم بما كان يعتقده من أن الأفعال التي يقوم بها بعض المتصوفة لا تدخل ضمن الطريقة الصوفية، ورأينا كيف حاول جاهدا الوصول للحقيقة وكلف نفسه عناء السفر برا وبحرا معرضا نفسه للمخاطر ليصل إلى يقين بصحة ما يقول به أو عدمه، وقوة شخصيته لم تقتصر على التصوف بل صاحبت حياته اليومية داخل المجتمع الذي يعيش فيه، وقد صاحب هذه الشخصية المبادئ الصوفية التي يؤمن بها وعلى رأسها توحيد الخالق، وعدم الخضوع لغيره تعالى، وقول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهذه المبادئ هي التي جعلت للتصوف دورا في تنمية الشعور بالمسؤولية العامة في المجتمعات الإسلامية وهي التي جعلت منه مجاهدا في سبيلها، يصفه الشيخ زغوان بأنه كان صاحب همة وغيرة دينية لا تأخذه في الله لومة لائم فينتصر للفقراء والضعفاء والمظلومين ويأخذ بأيديهم ويمدهم ويصرف جهده لأجلهم ويذهب معهم للقضاة والحكام حتى يتصلوا بحقهم ولا يبالي بمن يعترض أو ينتقد عليه، بل إذا بلغه ذلك من أحد مال إليه بالاحسان والمواصلة والمودة ولا يهاب الحكام والأمراء ويرد عليهم إذا ظلموا.أهـ ، فهو لم تمنعه حياة التصوف من معايشة هموم الناس الذين يعيش بينهم فيقوم بمساعدتهم والتضحية من أجلهم.. لقد ولد الشيخ المسعودي أثناء ولاية يوسف باشا القره مانللي فعاصر ولايته ثم ولاية علي باشا الثاني ومن بعده الولاة الأتراك الذين تولوا في العهد العثماني الثاني بداية من الوالي نجيب باشا إلى محمد حالت باشا وعددهم 14، وكانت ليبيا في عهد يوسف باشا عرفت بعض الاستقرار في نظام الحكم أعقبها فترة اضطرابات نتيجة تعاقب الولاة لفترات قصيرة مما أدى لانتشار الفساد والظلم الأمر الذي أدى بالشيخ محمد المسعودي إلى أن يسخر حياته نصرة للمظلومين والدفاع عنهم معرضا نفسه للمخاطر بكل شجاعة ورباطة جأش يقابل السيئة بالحسنة وهي احدى الصفات التي يجب أن يتحلى بها الصوفي.
خامسا- آثاره العلمية:
مع أن حياته كانت حافلة بالأحداث الجسام والرحلة والتغريب والصراع الذي عاناه مع بعض منتسبي الطريقة إلا أن ذلك لم يمنعه من المشاركة في نشر العلوم بتأليف بعض الكتب التي لم تطبع بعد، وأرجو أن تكون قد سلمت من عادية الزمان، ومحفوظة لدى أسرته الكريمة، وهي نثر ونظم وشروح في علوم مختلفة وهي لم ترد في المصادر التي ترجمت له إلا في رحلة الشيخ محمد زغوان المسماة بالنفحات القدسية حيث نقل ذلك عن الشيخ سعيد المسعودي وهي:
1. مغانم المسرات ومراغب الثبات على ملازم الذكر جهرا وفي الجماعات.
2. تحذير العشير وتبصير السمير بما حدث في هذا الزمن الخطير.
3. نفح الطيب على نظم مؤلفه المسمى تحفة زوار الحبيب.
4. الإبريز على نظمه عمر التطريز فيما يتعلق بعمر بن عبد العزيز.
5. لوامع الغرر على نظمه اللآلي والدرر في مصطلح علم الأثر.
6. النبراس على حزب غوث مكناس.
7. ذخائر الأشباح ومتائح الأرواح على حزب الفلاح.
8. نشر عطر الورد في طريقة شاه نقشبند.
9. دائرة العلا على الدور الأعلى لابن العربي.
10. استغاثة (رجز) في الدعاء بالنصر للمجاهدين في زمن السلطان عبد الحميد.
11. شرحه على نظم الأجهوري في فضائل رمضان.
12. نظم أسماء الله الحسنى.
13. رسالة في طلاق الخلع.
14. له مقطعات وقصائد وأشعار لا تحصر.
سادسا- وفاته شهيدا:
لعلك لاحظت أن حياة المسعودي لم تكن عادية فهو من كبار المصلحين الذين أنجبتهم هذه البلاد، وبسبب مواقفه في نصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالمين من حكام تلك العهود ناله الكثير من الظلم وصل في بعض الأحيان إلى ابعاده عن اطرابلس إلى مناطق أخرى داخل وخارج ليبيا، نذكر منها نفيه للجبل الغربي مرة وأخرى إلى دار الخلافة (الآستانة) حيث مكث فيها ما يقرب من سنة، إلا أنه لم يضيع وقته فقد كان علمه وتصوفه معه أينما حل وارتحل ففي دار الخلافة انكبت عليه الأفاضل وأخذوا عنه العلم والحديث والاجازة في الطريقة الجزولية العيساويةوالإذن في قراءة دلائل الخيرات، وكان يعود في كل مرة إلى اطرابلس مكرما معززا؛ إلا أن الأمر لم يقف عند حد النفي إذ تعرض إلى اطلاق النار عليه بالبارود قبيل فجر ليلة الثلاثاء فاتح رمضان 1288هـ (1871/12/14م) وفارقت روحه المقدسة جسده الشريف بعد صلاة العصر من اليوم المذكور ودفن بضريح جده الشيخ الصيد بقرية هنشير شرقي اطرابلس، ولم تذكر المصادر من فعل ذلك، ولكنه من دون شك من أهل الظلم والفساد الذين حاربهم لينال الشهادة مقابل جهاده في قول الحق ونصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالمين رحمه الله رحمة واسعة.
نقلاً عن مجلة ( الأسوة الحسنة ) السنة الثامنة - العدد 42 - الخميس غرة محرم الحرام 1426هـ الموافق 10/2/2005م
تاريخ التصوف في بلادنا ما زال بكرا في الدراسات والبحوث فحري بنا أن نشمر عن سواعدنا للبحث والتنقيب والدراسة والتمحيص لهذا التراث الضخم الذي تركه الأجداد باتباع الأسلوب العلمي حفظا لجهودهم وتواصلا على خطاهم ووفاء لإخلاصهم؛ وسعيا وراء ذلك نقدم في هذه المقالة أحد علماء التصوف الكبار وهو من أعلام الطريقة العيساوية في اطرابلس الغرب ممن ساهموا بدور كبير في تجسيد رسالة التصوف وإرساء مبادئه قولا وعملا، فمن خلال سيرته التي سنستعرضها يتضح لنا أن هذا العالم الجليل والمربي الفاضل والمصلح الكبير المجاهد في سبيل الله لم ينل حظه من التعريف به ودراسة حياته وسيرته ومواقفه المشرفة في سبيل الحق وآثاره العلمية، وقد وقفت على بعض المصادر المخطوطة تمكنت من خلالها الاطلاع على جوانب أخرى في حياة هذا العلم لها اتصال بتاريخ البلاد لم تشر إليها المصادر القليلة التي ترجمت له والتي غفلت عنها وعن آثاره العلمية التي تركها، وهي تدل على أن ما قام به هذا العالم الصوفي الجليل يبرهن على أن التصوف ليس دروشة وخرافات وانغلاقا عن الناس وابتعادا عن المجتمع والهروب من الواقع والإغراق في الكرامات والقول بالغيبيات والانشغال بالملهيات، إن التصوف عكس ذلك تماما إنه باختصار رسالة سامية.
أولا- مولده ونسبه:
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد المسعودي بن محمد التواتي بن محمد المسعودي بن محمد الصيدي، ينتهي نسبه إلى الولي الصالح سيدي محمد الصيد ومنه إلى الولي الصالح سيدي عبد السلام بن مشيش دفين المغرب.
ولد الشيخ محمد المسعودي سنة 1214هـ (1799م) في مدينة اطرابلس، قال الأستاذ أحمد النائب: (إن بيته بيت علم وبركة وصلاح من أسلافه الكرام)؛ تربى في كنف والده إلى أن بلغ من العمر سبع سنوات، ثم توفي والده فحضنته جدته لأمه السيدة الزهراء بنت السيد أحمد بن حامد الصيدي إلى أن توفيت وهو آنذاك ابن اثنتي عشرة سنة، حفظ القرآن الكريم على يد أستاذه ومربيه العالم سيدي محمد بن علي بن عبد النور، كما تلقى عنه بعض العلوم الأخرى ولازم الشيخ محمد المسعودي خدمة شيخه المذكور سنوات، وكان شيخه قد أخذ العلوم عن عمه الأستاذ أبي اسحاق إبراهيم بن عبد النور وأصله من زليطن، درس في الأزهر الشريف، ولما عاد إلى وطنه سكن في الهنشير، والشيخ إبراهيم أخذ عن عدة شيوخ من مصر كان من أجلهم الأستاذ الكبير والعلم الشهير الشيخ علي الصعيدي العدوي المالكي صاحب المؤلفات المشهورة، ويعتبر الشيخ إبراهيم من تلاميذه.
ثانيا- تحصيله العلمي:
بعد حفظه للقرآن الكريم انكب على دراسة العلوم منها التفسير والحديث والفقه وسائر العلوم الأخرى التي كانت سائدة في بيئته آنذاك، كل ذلك على يد شيوخ وطنه، وقد ذكر الشيخ محمد زغوان أن الشيخ محمد المسعودي كان من أجل وأعظم علماء اطرابلس، وهو نادرة عصره وفريد دهره في الحفظ والنقل الصحيح خصوصا في علمي الحديث والفقه، وقد انتفع به خلق كثير، وشدت إليه في وقته الرحال من كل الجهات ليأخذوا عنه العلم والفتوى ورواية الحديث، واشتهر بذلك في سائر البلاد وشهد له بالفضل والتقدم والفتوى أهل الفضل وأهل الانتقاد.
كما تذكر المصادر أنه رحل إلى مصر وجاور بالأزهر وحضر مجالس أهل العلم والعرفان ولقي الأفاضل من الأساتيذ الكبار ذوي الشأن وأجازوه بما لديهم من معقول ومنقول، يقول الأستاذ أحمد النائب: إن من شيوخه العالم الجليل الشيخ العدوي الصعيدي[ت1189هـ].. وهو لبس وقع فيه الأستاذ أحمد النائب لأن مترجمنا ولد سنة 1214هـ أي بعد وفاة الشيخ علي العدوي الصعيدي بخمس وعشرين سنة، والصحيح أن سنده العلمي يعود إلى الشيخ المذكور، روى ذلك الشيخ محمد زغوان في ترجمته حيث ذكر أن سند الشيخ محمد المسعودي في التفسير والحديث والفقه يعود إلى الشيخ علي العدوي الصعيدي الذي هو شيخ شيوخه.. ولعله المقصود في قول أحمد النائب الذي يذكر أن الشيخ محمد المسعودي عاد من رحلة إلى بلده فكان صدرا من صدور الأفاضل ومن أعيان الأماثل مؤلفا متقنا مجيدا ومن أصحاب الحديث والرواية، حافظا لحديث البخاري ورجاله حائزا من العلوم الأصولية والفروعية أوفر نصيب ذاكرا للمذهب لا يجاريه فيه أحد.
كانت للشيخ محمد المسعودي رحلات أخرى؛ منها رحلة إلى الآستانة إذ تم ابعاده إليها، ورحلة إلى تونس لأخذ الإجازة في الطريقة العيساوية، ورحلة إلى بنغازي وكذلك إلى الجبل الغربي، ولاشك أن هذه الرحلات أضافت إليه معلومات وخبرات من خلال لقاءاته بالعلماء والشيوخ مما سوف نلقي عليه بعض التوضيح فيما بعد.
ثالثا- طريقته الصوفية:
اشتهر الشيخ محمد المسعودي بالتصوف إلى جانب معرفته لعلوم الفقه والحديث وغيرها، وتذكر المصادر أنه أخذ الطريقة العيساوية وعمره خمس وعشرون سنة، أخذها عن أحد المتقدمين في هذه الطريقة داخل المدينة، واستمر معه في تلاوة أورادها إلا أنه شاهد أثناء الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بعض المنتسبين للطريقة يقومون بضرب الدفوف وأكل المسامير وضرب السكاكين، فأنكر الشيخ محمد المسعودي على تلك الأفعال، وقال: إن الطريقة هي الكتاب والسنة؛ والطريقة التي تخرج عن الكتاب والسنة ليست بطريقة، وسلم إلى مقدمها سبحته وأوراده وانسلخ منها.
يدل هذا الموقف على قوة شخصيته وانحيازه إلى آراء بعض الفقهاء الذين ينكرون هذه الأشياء ولايسلمون بها، فهؤلاء يرون أن هذه الأفعال بعيدة عن عبادة الله، كما أنها لا تدل على التصوف الحقيقي الذي هو التقرب إلى الله، ولاشك أنه لقي معارضة في هذا الرأي إلا أنه لم يسلم بالأمر، وظل يبحث عن الحقيقة؛ لذلك قرر السفر إلى تونس للقاء الشيخ علي أبو القاسم الشريف شيخ الطريقة العيساوية بتونس، فاصطحب معه اثنين من تلاميذه وهما الشيخ علي البوني والشيخ يوسف معلم؛ فاكتروا مركبا يسير بالشراع فانطلق بهم ليلة الخميس 19 شعبان 1264هـ فواجهتهم رياح شديدة مقابل جزيرة جربة ثم وصلوا بسلامة الله إلى تونس؛ وهناك وجدوا الشيخ علي الشريف مريضا، ولكنه استقبلهم ورحب بهم ومكثوا مدة في تونس، كان خلالها يتردد على الزاوية العيساوية لحضور الذكر والأوراد، وقد ذكر ذلك في رحلته حيث قالوفي ضحى يوم السبت أتينا لدار الشيخ رضي الله عنه ودخلنا لبيته وأوقفه بعض الإخوان لمعانقتنا فعانقني وضمني إليه وأجلسني فوق سريره وصافحني وناولني السبحة ولقنني الذكر ودعا لي وأجاز لي وأوصاني وذاكرني بمحضر من الإخوان).. بعد عودته من تونس يذكر الشيخ سالم ضرغام نقلا عن الشيخ محمد سعيد المسعودي أن الشيخ استقبل استقبالا طيبا من سكان باب البحر بالمدينة القديمة وبنوا له الزاوية الصغيرة وطلبوا منه المشيخة فوافقهم وبقي شيخا للزاوية إلى أن جاء شهر المولد فقام بعض المنتسبين للعيساوية كعادتهم بالاحتفال به ومارسوا أكل المسامير وضرب السكاكين والدفوف، فأنكر عليهم وقال لهم: نحن تخالفنا مع المقدمين من أجل هذا؟!! وقام بوضع تأليف في الأذكار العيساوية يبدو أنه تناول فيه هذه الأفعال وبيان أنها لم تكن من الدين في شيء، إلا أنهم أصروا على رأيهم فقرأ عليهم ما كتبه فما زادهم إلا استكبارا... اشتدت الحيرة على الشيخ فهو يؤمن بأن التصوف هو التقرب إلى الله تعالى وأنه بعيد عن ما يقوم به هؤلاء، وهو على درجة من العلم لا تسمح له بالسكوت عن شيء يخالف الشريعة، وشخصيته القوية لا تجعله يستكين للضغوط مهما كان نوعها ما دام على سبيل الحق، فأخذ يبحث عن شخص متمكن في الطريقة يفصل بينه وبين القوم، أو يدله على رأي يساعده في تلمس الطريق فقيل له: إن شيخا من ذرية الشيخ محمد بن عيسى موجود حاليا في بنغازي اسمه الشيخ الهياض وذلك بمناسبة افتتاح زاوية جديدة هناك فتوجه إليه؛ غير أن الأستاذ أحمد القطعاني يذكر أن المقابلة كانت مع الشيخ أحمد بن محمد المستغانمي وهو رجل من كمل أهل الله أخذ عن سلسلة من علماء الطريقة العيساوية تنتهي إلى الشيخ أبي مهدي الملقب بالهياض عن والده شيخ الطريقة والشريعة والحقيقة القطب الغوث سيدي محمد بن عيسى، وهذه الرواية هي الأقرب للصواب لأن الفارق الزمني بين وفاة الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى [ت933هـ-1530م] وحياة الشيخ محمد المسعودي لا تدل على امكانية اللقاء بينه وبين حفيد الشيخ الكامل رحمهما الله... وتتفق الروايات على أن هذا اللقاء يعتبر نقلة نوعية في حياة الشيخ المسعودي الصوفية، سواء تعلق بالأفعال التي كان ينكرها أو بالكرامات التي تظهر على بعض المتصوفة، حيث أصابه شعور داخلي أغناه فيما يبدو عن السؤال الذي حضر من أجله، وقد ظهرت له كرامة بين يدي الشيخ فأجازه في الطريقة وعزز سنده الذي تحصل عليه من تونس بما أفاض الله عليه في بنغازي، فكان هذا التحول الكبير في حياته والذي أسفر عن ولادة عالم جليل في الطريقة العيساوية الصوفية جمع بينها وبين العلوم العقلية والنقلية من فقه وحديث وأصول وغيرها مما جعله شيخا لهذه الطريقة بلا منازع.
رابعا- نضاله وجهاده في نصرة الحق:
إن ما ورد في سيرته الصوفية يدل على أنه صاحب شخصية قوية فهو لم يسلم بما كان يعتقده من أن الأفعال التي يقوم بها بعض المتصوفة لا تدخل ضمن الطريقة الصوفية، ورأينا كيف حاول جاهدا الوصول للحقيقة وكلف نفسه عناء السفر برا وبحرا معرضا نفسه للمخاطر ليصل إلى يقين بصحة ما يقول به أو عدمه، وقوة شخصيته لم تقتصر على التصوف بل صاحبت حياته اليومية داخل المجتمع الذي يعيش فيه، وقد صاحب هذه الشخصية المبادئ الصوفية التي يؤمن بها وعلى رأسها توحيد الخالق، وعدم الخضوع لغيره تعالى، وقول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهذه المبادئ هي التي جعلت للتصوف دورا في تنمية الشعور بالمسؤولية العامة في المجتمعات الإسلامية وهي التي جعلت منه مجاهدا في سبيلها، يصفه الشيخ زغوان بأنه كان صاحب همة وغيرة دينية لا تأخذه في الله لومة لائم فينتصر للفقراء والضعفاء والمظلومين ويأخذ بأيديهم ويمدهم ويصرف جهده لأجلهم ويذهب معهم للقضاة والحكام حتى يتصلوا بحقهم ولا يبالي بمن يعترض أو ينتقد عليه، بل إذا بلغه ذلك من أحد مال إليه بالاحسان والمواصلة والمودة ولا يهاب الحكام والأمراء ويرد عليهم إذا ظلموا.أهـ ، فهو لم تمنعه حياة التصوف من معايشة هموم الناس الذين يعيش بينهم فيقوم بمساعدتهم والتضحية من أجلهم.. لقد ولد الشيخ المسعودي أثناء ولاية يوسف باشا القره مانللي فعاصر ولايته ثم ولاية علي باشا الثاني ومن بعده الولاة الأتراك الذين تولوا في العهد العثماني الثاني بداية من الوالي نجيب باشا إلى محمد حالت باشا وعددهم 14، وكانت ليبيا في عهد يوسف باشا عرفت بعض الاستقرار في نظام الحكم أعقبها فترة اضطرابات نتيجة تعاقب الولاة لفترات قصيرة مما أدى لانتشار الفساد والظلم الأمر الذي أدى بالشيخ محمد المسعودي إلى أن يسخر حياته نصرة للمظلومين والدفاع عنهم معرضا نفسه للمخاطر بكل شجاعة ورباطة جأش يقابل السيئة بالحسنة وهي احدى الصفات التي يجب أن يتحلى بها الصوفي.
خامسا- آثاره العلمية:
مع أن حياته كانت حافلة بالأحداث الجسام والرحلة والتغريب والصراع الذي عاناه مع بعض منتسبي الطريقة إلا أن ذلك لم يمنعه من المشاركة في نشر العلوم بتأليف بعض الكتب التي لم تطبع بعد، وأرجو أن تكون قد سلمت من عادية الزمان، ومحفوظة لدى أسرته الكريمة، وهي نثر ونظم وشروح في علوم مختلفة وهي لم ترد في المصادر التي ترجمت له إلا في رحلة الشيخ محمد زغوان المسماة بالنفحات القدسية حيث نقل ذلك عن الشيخ سعيد المسعودي وهي:
1. مغانم المسرات ومراغب الثبات على ملازم الذكر جهرا وفي الجماعات.
2. تحذير العشير وتبصير السمير بما حدث في هذا الزمن الخطير.
3. نفح الطيب على نظم مؤلفه المسمى تحفة زوار الحبيب.
4. الإبريز على نظمه عمر التطريز فيما يتعلق بعمر بن عبد العزيز.
5. لوامع الغرر على نظمه اللآلي والدرر في مصطلح علم الأثر.
6. النبراس على حزب غوث مكناس.
7. ذخائر الأشباح ومتائح الأرواح على حزب الفلاح.
8. نشر عطر الورد في طريقة شاه نقشبند.
9. دائرة العلا على الدور الأعلى لابن العربي.
10. استغاثة (رجز) في الدعاء بالنصر للمجاهدين في زمن السلطان عبد الحميد.
11. شرحه على نظم الأجهوري في فضائل رمضان.
12. نظم أسماء الله الحسنى.
13. رسالة في طلاق الخلع.
14. له مقطعات وقصائد وأشعار لا تحصر.
سادسا- وفاته شهيدا:
لعلك لاحظت أن حياة المسعودي لم تكن عادية فهو من كبار المصلحين الذين أنجبتهم هذه البلاد، وبسبب مواقفه في نصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالمين من حكام تلك العهود ناله الكثير من الظلم وصل في بعض الأحيان إلى ابعاده عن اطرابلس إلى مناطق أخرى داخل وخارج ليبيا، نذكر منها نفيه للجبل الغربي مرة وأخرى إلى دار الخلافة (الآستانة) حيث مكث فيها ما يقرب من سنة، إلا أنه لم يضيع وقته فقد كان علمه وتصوفه معه أينما حل وارتحل ففي دار الخلافة انكبت عليه الأفاضل وأخذوا عنه العلم والحديث والاجازة في الطريقة الجزولية العيساويةوالإذن في قراءة دلائل الخيرات، وكان يعود في كل مرة إلى اطرابلس مكرما معززا؛ إلا أن الأمر لم يقف عند حد النفي إذ تعرض إلى اطلاق النار عليه بالبارود قبيل فجر ليلة الثلاثاء فاتح رمضان 1288هـ (1871/12/14م) وفارقت روحه المقدسة جسده الشريف بعد صلاة العصر من اليوم المذكور ودفن بضريح جده الشيخ الصيد بقرية هنشير شرقي اطرابلس، ولم تذكر المصادر من فعل ذلك، ولكنه من دون شك من أهل الظلم والفساد الذين حاربهم لينال الشهادة مقابل جهاده في قول الحق ونصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالمين رحمه الله رحمة واسعة.
نقلاً عن مجلة ( الأسوة الحسنة ) السنة الثامنة - العدد 42 - الخميس غرة محرم الحرام 1426هـ الموافق 10/2/2005م