قشوطة
17-05-2007, 12:27 AM
قلت : حدثيني يا طرابلس.
قالت : عماذا أحدثك يا ولدي.
قلت : حدثيني عن كل شيء يتعلق بك .. حدثيني عن جمالك الساحر ، وعن حزن بحرك الباهر .. حدثيني عن بساتينك وأشجارك الخَضِرَة ، وعن أريج أزهارك ووردك العطرة..
قالت : ليس من شأني أن أمتدح نفسي ، ولكن ارجع إلى ما كتبه الرحالة التجاني عني.
قلت : وما كتب عنك ..
قالت : جادت جعبته عند أول دخوله لي بهذه الكلمات : ( ولما وصلنا إلى طرابلس وأشرفنا عليها كاد بياضها مع شعاع الشمس يعشي الأبصار فعرفت صدق تسميتهم لها بالمدينة البيضاء وخرج جميع أهلها مظهرين الاستبشار رافعين أصواتهم بالدعاء)..
ووصف شوارعي وأبوابي وسوري فقال:(لم أر أكثر منها نظافة ولا أحسن اتساعاً واستقامة، وذلك أن أكثرها تخترق المدينة طولاً وعرضاً من أولها إلى آخرها على هيئة شطرنجية.. ورأيت بسورها من الاعتناء، واحتفال البناء ما لم أره لمدينة سواها، وسبب ذلك أن لأهلها حظا من مجباها، يصرفونه في رم سورها، وما تحتاج إليه من مهم أمروها، فهم لا يزالون أبداً يجددون البناء فيه، ويتداركون تلاشيه بتلافيه)..
ووصف حماماتي فقال وكان في طرابلس حمام مجاور للقصر، صغير الساحة إلا أنه قد بلغ من الحسن غايته، وتجاوز من الظرف نهايته. وكان هذا الحمام من منافع القصبة فبيع من جملة ما بيع منها، وهو الآن محبس على بعض المساجد. وبالبلد حمامان آخران غيره إلا أنهما في الحسن دونه) ..
قلت : وهل تحدث عن مدارسِكِ؟.
قالت : نعم وأعجبته المدرسة (المنتصرية) .
قلت : حديثيني عنها.
قالت : هي نسبة إلى الخليفة المنتصر الحفصي بتونس؛ فقد كانت بينه وبين الفقيه أبي محمد عبد الحميد بن أبي البركات بن أبي الدنيا الطرابلسي الذي تولى بناءها علاقة ود وحب، أثمرت بإنشاء هذا الصرح العلمي الرائد في قلب المدينة، وذلك ما بين سنتي 655، 658هـ. وهذه المدرسة من بين أحسن المدارس وضعاً وأظرفها صنعاً. وقد نقل التجاني من خط الأديب التونسي أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد في بعض تقاييده قال: حللت في بعض سفراتي بطرابلس؛ فبكرت يوماً إلى المدرسة التي أنشأتها بها الهمة العلية الإمامية المنتصرية، فدخلت إليها، وقعدت مسرّحاً طرفي في روضة حبق، حبست حاستي البصر والشم عليها، ثم قلت:
يا حــبذا نسمة هبت لناشقــــها * غب الكرى سحرا من روضة الحبق
حسبتها عندما هبت وقد نعشت * ببلة من نـــــــــــداها روح منتــشق
قرنفل الهند قد وافى التجار بها * محافــــــــــظين على نشـر له عبق
فعندما فضه الراوي ذكـرنــــــي * بطــيبه عيــــش مولــــــــــــي أنق
بتونس أنس الرحمـــــن ساحتها * وسقيت أبدا بالعـارض الغــــــــدق
ولا أموت إلى أن التقي قمــــــرا* للحـــــسن مطلـــعه من ذلك الأفق
وصاحب هذه المدرسة هو أبو محمد عبد الحميد بن أبي البركات بن عمران ابن أبي الدنيا الصدفي الطرابلسي، مولده بطرابلس 606هـ، وارتحل إلى المشرق؛ فقضى فريضة الحج وأدرك الريغي والصفراوي، فقرأ عليهما. ووصل إلى تونس في مدة الأمير أبي زكريا، فأقام بها زمانا ثم عاد إلى بلده. وتولى في تونس بعد استدعاء ثان الخطط الرفيعة وقضاء الأنكحة والخطابة بالجامع الأعظم. وله تصانيف منها: العقيدة الدينية وشرحها، وجلاء الالتباس في الرد على نفاة القياس، ومذكر الفؤاد في الحض على الجهاد. وله شعر في تزكية النفس:
طرق السلامة والفلاح قناعة * ولزوم بيت بالتوحش مؤنــس
يكفيه أنسا أن يكون أنيســـــه * آي القران ونوره في الحندس
وإذا رأت عيناه إنسانا أتـــــى * فلينفرن نفــــور ظبي المكنس
ولقلما ينفك صاحب مـــــــقول * من عثرة أو زلة في المجلس
تحصى وتكتب والجهول مغفل * حتى يراها في مقام المفـــلس
توفي بتونس سنة 684هـ.
وللحديث بقية ..
قالت : عماذا أحدثك يا ولدي.
قلت : حدثيني عن كل شيء يتعلق بك .. حدثيني عن جمالك الساحر ، وعن حزن بحرك الباهر .. حدثيني عن بساتينك وأشجارك الخَضِرَة ، وعن أريج أزهارك ووردك العطرة..
قالت : ليس من شأني أن أمتدح نفسي ، ولكن ارجع إلى ما كتبه الرحالة التجاني عني.
قلت : وما كتب عنك ..
قالت : جادت جعبته عند أول دخوله لي بهذه الكلمات : ( ولما وصلنا إلى طرابلس وأشرفنا عليها كاد بياضها مع شعاع الشمس يعشي الأبصار فعرفت صدق تسميتهم لها بالمدينة البيضاء وخرج جميع أهلها مظهرين الاستبشار رافعين أصواتهم بالدعاء)..
ووصف شوارعي وأبوابي وسوري فقال:(لم أر أكثر منها نظافة ولا أحسن اتساعاً واستقامة، وذلك أن أكثرها تخترق المدينة طولاً وعرضاً من أولها إلى آخرها على هيئة شطرنجية.. ورأيت بسورها من الاعتناء، واحتفال البناء ما لم أره لمدينة سواها، وسبب ذلك أن لأهلها حظا من مجباها، يصرفونه في رم سورها، وما تحتاج إليه من مهم أمروها، فهم لا يزالون أبداً يجددون البناء فيه، ويتداركون تلاشيه بتلافيه)..
ووصف حماماتي فقال وكان في طرابلس حمام مجاور للقصر، صغير الساحة إلا أنه قد بلغ من الحسن غايته، وتجاوز من الظرف نهايته. وكان هذا الحمام من منافع القصبة فبيع من جملة ما بيع منها، وهو الآن محبس على بعض المساجد. وبالبلد حمامان آخران غيره إلا أنهما في الحسن دونه) ..
قلت : وهل تحدث عن مدارسِكِ؟.
قالت : نعم وأعجبته المدرسة (المنتصرية) .
قلت : حديثيني عنها.
قالت : هي نسبة إلى الخليفة المنتصر الحفصي بتونس؛ فقد كانت بينه وبين الفقيه أبي محمد عبد الحميد بن أبي البركات بن أبي الدنيا الطرابلسي الذي تولى بناءها علاقة ود وحب، أثمرت بإنشاء هذا الصرح العلمي الرائد في قلب المدينة، وذلك ما بين سنتي 655، 658هـ. وهذه المدرسة من بين أحسن المدارس وضعاً وأظرفها صنعاً. وقد نقل التجاني من خط الأديب التونسي أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد في بعض تقاييده قال: حللت في بعض سفراتي بطرابلس؛ فبكرت يوماً إلى المدرسة التي أنشأتها بها الهمة العلية الإمامية المنتصرية، فدخلت إليها، وقعدت مسرّحاً طرفي في روضة حبق، حبست حاستي البصر والشم عليها، ثم قلت:
يا حــبذا نسمة هبت لناشقــــها * غب الكرى سحرا من روضة الحبق
حسبتها عندما هبت وقد نعشت * ببلة من نـــــــــــداها روح منتــشق
قرنفل الهند قد وافى التجار بها * محافــــــــــظين على نشـر له عبق
فعندما فضه الراوي ذكـرنــــــي * بطــيبه عيــــش مولــــــــــــي أنق
بتونس أنس الرحمـــــن ساحتها * وسقيت أبدا بالعـارض الغــــــــدق
ولا أموت إلى أن التقي قمــــــرا* للحـــــسن مطلـــعه من ذلك الأفق
وصاحب هذه المدرسة هو أبو محمد عبد الحميد بن أبي البركات بن عمران ابن أبي الدنيا الصدفي الطرابلسي، مولده بطرابلس 606هـ، وارتحل إلى المشرق؛ فقضى فريضة الحج وأدرك الريغي والصفراوي، فقرأ عليهما. ووصل إلى تونس في مدة الأمير أبي زكريا، فأقام بها زمانا ثم عاد إلى بلده. وتولى في تونس بعد استدعاء ثان الخطط الرفيعة وقضاء الأنكحة والخطابة بالجامع الأعظم. وله تصانيف منها: العقيدة الدينية وشرحها، وجلاء الالتباس في الرد على نفاة القياس، ومذكر الفؤاد في الحض على الجهاد. وله شعر في تزكية النفس:
طرق السلامة والفلاح قناعة * ولزوم بيت بالتوحش مؤنــس
يكفيه أنسا أن يكون أنيســـــه * آي القران ونوره في الحندس
وإذا رأت عيناه إنسانا أتـــــى * فلينفرن نفــــور ظبي المكنس
ولقلما ينفك صاحب مـــــــقول * من عثرة أو زلة في المجلس
تحصى وتكتب والجهول مغفل * حتى يراها في مقام المفـــلس
توفي بتونس سنة 684هـ.
وللحديث بقية ..