العجيل
07-07-2007, 12:44 AM
الحمْدُ للهِ الواحدِ القَهَّارِ ، العَزيزِ الغَفَّارِ ، مُكَوِّرِ اللَّيْلِ على النَّهَارِ، تَذْكِرَةً لأُولي القُلُوبِ والأَبصَارِ، وتَبْصرَةً لِذَوي الأَلبَابِ واَلاعتِبَارِ، الَّذي أَيقَظَ مِنْ خَلْقهِ مَنِ اصطَفاهُ فَزَهَّدَهُمْ في هذهِ الدَّارِ، وشَغَلهُمْ بمُراقبَتِهِ وَإِدَامَةِ الأَفكارِ، ومُلازَمَةِ الاتِّعَاظِ والادِّكَارِ، ووَفَّقَهُمْ للدَّأْبِ في طاعَتِهِ، والتّأهُّبِ لِدَارِ القَرارِ، والْحَذَرِ مِمّا يُسْخِطُهُ ويُوجِبُ دَارَ البَوَارِ، والمُحافَظَةِ على ذلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ والأَطْوَارِ ، نحْمَدُهُ أَبلَغَ حمْدٍ وأَزكَاهُ، وَأَشمَلَهُ وأَنْمَاهُ، ونشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ البَرُّ الكَرِيمُ، الرؤُوفُ الرَّحيمُ، ونشهَدُ أَنَّ سَيَّدَنا مُحمّداً عَبدُهُ ورَسُولُهُ، وحبِيبُهُ وخلِيلُهُ، الهَادِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ، والدَّاعِي إِلَى دِينٍ قَويمٍ، صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عَليهِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبيِّينَ، وَآلِ كُلٍّ، وسَائِرِ الصَّالِحينَ.
أَما بعد:
فقد قال اللهُ تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } [ الذاريات : 56 - 57 ] وَهَذا تَصْريحٌ بِأَنَّهُمْ خُلِقوا لِلعِبَادَةِ ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَهُ وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ ، فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لاَ مَحَلُّ إخْلاَدٍ ، وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لاَ مَنْزِلُ حُبُورٍ ، ومَشْرَعُ انْفصَامٍ لاَ مَوْطِنُ دَوَامٍ.
فإذا كَانَ حالُها، وحالُنَا وَمَا خُلِقْنَا لَهُ ؛ فَحَقٌّ عَلَى الْمُكلَّفِ أَنْ يَذْهَبَ بنفسِهِ مَذْهَبَ الأَخْيارِ وَيَسلُكَ مَسْلَكَ أُولي النُّهَى وَالأَبْصَارِ ، وَيَتَأهَّبَ لِمَا أُشِير إليهِ ، وَيَهْتَمَّ لِمَا نُبِّهَ عليهِ، وأَصْوَبُ طريقٍ لهُ في ذَلِكَ، وَأَرشَدُ مَا يَسْلُكُهُ مِنَ المسَالِكِ، التَّأَدُّبُ بمَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا سَيِّدِ الأَوَّلينَ والآخرينَ، وَأَكْرَمِ السَّابقينَ والَّلاحِقينَ، صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيهِ وَعَلى سَائِرِ النَّبيِّينَ . وقدْ قالَ اللهُ تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة :2 ] وقد صَحَّ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ : (( واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ)) وَأَنَّهُ قالَ:(( مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ)) وأَنَّهُ قالَ : (( مَنْ دَعَا إِلى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئاً )) وأَنَّهُ قالَ لِعَليٍّ - رضي الله عنه - : (( فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
حجية السنة وفضلها:
يقول المولى عز وجل:وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) الحشر:7.
ويقول سبحانه وتعالى:(( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) آل عمران: 31.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى))،قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ:((مَنْ أَطَاعَنِى دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ أَبَى)) .
وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ:((أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ...)).
وعنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ قَالَ:((لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ؛ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِى مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ)) .
إن الوظيفة الأساسية للسنة النبوية هي البيان والتفصيل، قال تعالى:(( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) النحل:44.
وإن الله سبحانه وتعالى في كتابه أرانا عاقبة مخالفة الرسول فقال جل شأنه:((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)) الفرقان: 27.
وقال عز وجل:(( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا)) الأحزاب:66.
وقال أيضا:(( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)) النساء: 42.
فضل طالب الحديث وسامعه:
فضائلهم عديدة وكثيرة:
فعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يقول :((نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً ، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح ))
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )) . رواه البخاري .
ويرحم الله القائل:
أَهْلُ الْحَدِيثِ هُمْ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ
لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفَاسَهُ صَحِبُوا
ويرحم الله القائل أيضا:
دِينُ النَّبِيِّ وَشَرْعُهُ أَخْبَارُهُ
وَأَجَلُّ عِلْمٍ يُقْتَفَي آثَارُهُ
مَنْ كَانَ مُشْتَغِلاً بِهَا وَبِنَشْرِهَا
بَيْنَ البَرِيَّةِ لاَ عَفَتْ آثَارُهُ
لذلك قد عزمنا بعد طلب العون من ربنا جل جلاله؛ إقامة مسابقة الحديث النبوي الشريف وعلومه الأولى على مستوى مدينة زليتن، طالبين من ربنا جل جلاله العون والسداد، وأن يكون العمل خالصا لوجهه الكريم، قاصدين كما قيل:
لَمْ أَسْمُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ لِسُمْعَةٍ
أَوْ لاِجْتِمَاعِ قَدِيمِهِ وَحَدِيثِهِ
لَكِنْ إِذَا فَاتَ الْمُحِبُّ لِقَاءَ مَنْ
يَهْوَى تَعَلَّلَ بِاسْتِمَاعِ حَدِيثِهِ
وأملنا في ذلك أن نحظى بالدخول في دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نكثر بقراءة حديثه من الصلاة والسلام عليه وعلى آله، وأن ننشر الوعي والفهم الصحيح للسنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وفي إطار نشر سنة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ونشر الفهم الصحيح لها؛ يجدر بنا أن ننبه إلى أمور مهمة جد، حقيق بنا أن نوضحها ونحن نعيشها، وهي تدور حول المحاور الآتية:
1. أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سار على منهج القرآن الكريم:((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى))، حيث إنه يدعو إلى الوحدة والمحبة، من أجل الوقوف صفا واحدا ضد أعداء الأمة، وأن لا يلتفت إلى الاختلافات وسقيها ورعايتها، وأن كل ذلك يخدم أعداء الأمة، يقول تعالى:(( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))، وقال عز من قائل:((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا))، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).وفي رواية:(( الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ)). رواه مسلم بسنده عن النعمان بن بشير.
وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبلغ كثرة بحيث لا يسعها مصنّف.
فما علينا إلا أن نلتفت إلى وحدة الأمة وجمع كلمتها، دون تتبع الخلافات وعثرات الآخرين.
2.إن الألفاظ النبوية الشريفة التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يصعب علينا فهمها إلا بالرجوع إلى شراح الأحاديث النبوية الأئمة الفقهاء، كالحافظ ابن حجر شارح صحيح البخاري، أو من تصدى لشرح الغريب منها كابن الأثير صاحب كتاب النهاية في غريب الحديث، قال الإمام الخطابي شارح سنن أبي داود في حديثه عن أصحاب الحديث وأصحاب الفقه:(الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب))
وقال الحافظ السخاوي متحدثا عن من يحق له الاستنباط من الأحاديث وما يلزمهم معرفته:((وهذه صفة الأئمة الفقهاء، والمجتهدين الأعلام، كالشافعي ومالك وأحمد....)).
وعدم رجوعنا إلى هؤلاء الأعلام الذين فهموا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يجعلنا نقع في المحظور؛ حيث إننا سنفهم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم على نحو مجانب للصواب، ولا يقف الأمر على هذا فحسب، بل يصل إلى تخطئة الغير، بل ومعاداته ومحاربته بشتى الوسائل، وهذا أمر نهى عنه الشرع الحنيف، وسببه فهم خاطئ، ولنضرب على ذلك مثالا: فإنك تجد بعض الأشخاص يقولون بأن الصلاة في المساجد التي فيها قبور غير جائزة، بل وغير مقبولة، ويحثون الناس على عدم الصلاة في هذه المساجد، متمسكين خطئا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).أخرجه البخاري في صحيحه.
طبعا المتمسك بهذا القول لم يطلع على ما قاله شراح الحديث والإئمة المتخصصون في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك صدر ما صدر، فتعال معي إلى الأئمة الكرام لنرى ما فهموه من هذا الحديث، قال الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاري عند شرحه لهذا الحديث:(( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم؛ الذين صلوا في قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونه ، وذلك الشرك الأكبر))
ونقل العيني أن الخطابي ذكر في معالم السنن عن عبد الله بن عمر: أنه رخص في الصلاة في المقبرة، وحكي أيضا عن الحسن البصري أنه صلى في المقبرة.
ونقل فقال: قال البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجدا فيصلى فوقه.
وقال الحافظ ابن حجر شارح صحيح البخاري في كتابه فتح الباري:(( قال البيضاوي: لَمَّا كَانَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاء تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَة يَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاة نَحْوهَا وَاِتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا لَعَنَهُمْ وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْل ذَلِكَ ، فَأَمَّا مَنْ اِتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَار صَالِح وَقَصَدَ التَّبَرُّك بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا التَّعْظِيم لَهُ وَلَا التَّوَجُّه نَحْوه فَلَا يَدْخُل فِي ذَلِكَ الْوَعِيد)).
ونقل هذا الكلام الحافظ العيني، والحافظ السيوطي، وزاد: ألا ترى أن قبر إسماعيل بالحطيم، وذلك المحل أفضل للصلاة فيه.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار بعد ذكره للحديث وطرقه وشواهده:( وهذه الآثار قد عارضها قوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا).
وقال في التمهيد بعد ذكره للأحاديث الواردة:( وبهذا يستبين عند تعارض الآثار في ذلك؛ أن الناسخ منها قوله صلى الله عليه و سلم:((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا))، وقوله لأبي ذر:((حيثما أدركتك الصلاة فصل، فقد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)).
قال صاحب إعانة الطالبين:(( المنهي عنه قصد استقبالها للتبرك ونحوه)).
وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي:(( وَاِتِّخَاذُ الْقَبْرِ مَسْجِدًا مَعْنَاهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ إلَيْهِ)).
قال الشيخ عطية صقر رحمه الله تعالى أحد مشايخ الأزهر:الأئمة الثلاثة قالوا بصحة الصلاة وعدم كراهتها، اللهم إلا إذا كان القبر أمام المصلى فتكون مكروهة مع الصحة، ومحل هذا الخلاف إذا كان القبر في المسجد، أما إذا كان مفصولا عنه والناس يصلون في المسجد لا في الضريح، أو الجزء الموجود فيه القبر؛ فلا خلاف أبدا في الجواز وعدم الحرمة أو الكراهة.
3. إن من اللازم جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد لفهم السنة فهما صحيحا، بحيث يرد متشابهها إلى محكمها، ويجمل مطلقها على مقيدها، ويُفَسَّر عامها بخاصها، وبذلك يتضح المعنى المراد، و لا يضرب بعضها بعضا، كما هو الحال عند مع القرآن والسنة، فالسنة تبين القرآن، وتخصص عمومه، وتقيد إطلاقه.
ولنأخذ على ذلك مثالا، وليكن الأحاديث التي وردت في إسبال الإزار، وتشديد الوعيد عليه، وهو ما استند إليه كثير من الشباب، حيث شددوا إنكارهم على من لم يقصر ثوبه إلى ما فوق الكعبين، وبالغوا في ذلك حتى أوشكوا أن يجعلوا تقصير الثوب من شعائر الإسلام، أو فرائضه العظام، وإذا نظروا إلى مسلم لا يُقَصِّر ثوبه كما يفعلون؛ رموه بقلة الدين!
ولو رجعوا إلى مجموع الأحاديث المتصلة بهذه القضية، وردوا بعضها إلى بعض، في ضوء نظرة شاملة لمقاصد الإسلام من المُكلفين في شئون الحياة العادية، لعرفوا المقصود من الأحاديث في هذا المقام، ولخففوا من غلوائهم، ولم يركبوا متن الشطط، ولم
يضيقوا على الناس في أمر وسَّع الله عليهم فيه.
يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أَبِي ذَرّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)).
ما المراد بالمسبل؟ هل هو كل من أطال إزاره، ولو كان على سبيل العادة التي عليها قومه، دون أن يكون من قصده كبر أو خيلاء؟
لو أخذنا هذه الحديث وغيره من الروايات التي جمعت معناه لوجدناها تعم المعنيين، ولكن الذي يقرأ جملة الأحاديث الواردة في هذا الموضوع؛ يتبين له ما رجحه النووي وابن حجر وغيرهما: أن هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد(الخيلاء) فهو الذي ورد فيه الوعيد بالاتفاق.
قال الحافظ ابن حجر:(( وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ إِسْبَال الْإِزَار لِلْخُيَلَاءِ كَبِيرَة ، وَأَمَّا الْإِسْبَال لِغَيْرِ الْخُيَلَاء فَظَاهِر الْأَحَادِيث تَحْرِيمه أَيْضًا ، لَكِنْ اُسْتُدِلَّ بِالتَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِالْخُيَلَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاق فِي الزَّجْر الْوَارِد فِي ذَمّ الْإِسْبَال مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد هُنَا ، فَلَا يَحْرُم الْجَرّ وَالْإِسْبَال إِذَا سَلِمَ مِنْ الْخُيَلَاء)).
والأحاديث الْمُقَيِّدة منها: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما – قَال، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم –(( مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ أَحَدَ شِقَّىْ ثَوْبِى يَسْتَرْخِى إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم :(( إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاَءَ)).
إن الاكتفاء بظاهر حديث واحد، دون النظر في سائر الأحاديث وسائر النصوص المتعلقة بموضوعه؛ كثيرا ما يُوقع في الخطأ، ويبعد عن جادّة الصواب، وعن المقصود الذي سيق له الحديث، وللتوسع راجع المذكرة التي جمعت في هذا الموضوع.
هذه ركائز ثلاثة في التعامل مع حديث سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه، الرحمة للعالمين.
نسأل الله مولانا عز وجل العلي القدير أن ييسر هذه المسابقة، ويجعلها فاتحة خير لفهم السنة الفهم الصحيح، ولجمع فرقة المسلمين، وأن يتقبل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا أمة متوحدة تهتم بالأمور العظام، وأن يجعلنا من الدعاة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى الله الكريم اعتمادنا، وإليه تفويضنا واستنادنا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إِلاَّ باللهِ العزيزِ الحَكيم .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.
(مقدمة مسابقة زليتن للحديث)
أَما بعد:
فقد قال اللهُ تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } [ الذاريات : 56 - 57 ] وَهَذا تَصْريحٌ بِأَنَّهُمْ خُلِقوا لِلعِبَادَةِ ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَهُ وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ ، فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لاَ مَحَلُّ إخْلاَدٍ ، وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لاَ مَنْزِلُ حُبُورٍ ، ومَشْرَعُ انْفصَامٍ لاَ مَوْطِنُ دَوَامٍ.
فإذا كَانَ حالُها، وحالُنَا وَمَا خُلِقْنَا لَهُ ؛ فَحَقٌّ عَلَى الْمُكلَّفِ أَنْ يَذْهَبَ بنفسِهِ مَذْهَبَ الأَخْيارِ وَيَسلُكَ مَسْلَكَ أُولي النُّهَى وَالأَبْصَارِ ، وَيَتَأهَّبَ لِمَا أُشِير إليهِ ، وَيَهْتَمَّ لِمَا نُبِّهَ عليهِ، وأَصْوَبُ طريقٍ لهُ في ذَلِكَ، وَأَرشَدُ مَا يَسْلُكُهُ مِنَ المسَالِكِ، التَّأَدُّبُ بمَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا سَيِّدِ الأَوَّلينَ والآخرينَ، وَأَكْرَمِ السَّابقينَ والَّلاحِقينَ، صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيهِ وَعَلى سَائِرِ النَّبيِّينَ . وقدْ قالَ اللهُ تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة :2 ] وقد صَحَّ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ : (( واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ)) وَأَنَّهُ قالَ:(( مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ)) وأَنَّهُ قالَ : (( مَنْ دَعَا إِلى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئاً )) وأَنَّهُ قالَ لِعَليٍّ - رضي الله عنه - : (( فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
حجية السنة وفضلها:
يقول المولى عز وجل:وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) الحشر:7.
ويقول سبحانه وتعالى:(( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) آل عمران: 31.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى))،قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ:((مَنْ أَطَاعَنِى دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ أَبَى)) .
وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ:((أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ...)).
وعنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ قَالَ:((لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ؛ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِى مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ)) .
إن الوظيفة الأساسية للسنة النبوية هي البيان والتفصيل، قال تعالى:(( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) النحل:44.
وإن الله سبحانه وتعالى في كتابه أرانا عاقبة مخالفة الرسول فقال جل شأنه:((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)) الفرقان: 27.
وقال عز وجل:(( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا)) الأحزاب:66.
وقال أيضا:(( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)) النساء: 42.
فضل طالب الحديث وسامعه:
فضائلهم عديدة وكثيرة:
فعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يقول :((نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً ، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح ))
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )) . رواه البخاري .
ويرحم الله القائل:
أَهْلُ الْحَدِيثِ هُمْ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ
لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفَاسَهُ صَحِبُوا
ويرحم الله القائل أيضا:
دِينُ النَّبِيِّ وَشَرْعُهُ أَخْبَارُهُ
وَأَجَلُّ عِلْمٍ يُقْتَفَي آثَارُهُ
مَنْ كَانَ مُشْتَغِلاً بِهَا وَبِنَشْرِهَا
بَيْنَ البَرِيَّةِ لاَ عَفَتْ آثَارُهُ
لذلك قد عزمنا بعد طلب العون من ربنا جل جلاله؛ إقامة مسابقة الحديث النبوي الشريف وعلومه الأولى على مستوى مدينة زليتن، طالبين من ربنا جل جلاله العون والسداد، وأن يكون العمل خالصا لوجهه الكريم، قاصدين كما قيل:
لَمْ أَسْمُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ لِسُمْعَةٍ
أَوْ لاِجْتِمَاعِ قَدِيمِهِ وَحَدِيثِهِ
لَكِنْ إِذَا فَاتَ الْمُحِبُّ لِقَاءَ مَنْ
يَهْوَى تَعَلَّلَ بِاسْتِمَاعِ حَدِيثِهِ
وأملنا في ذلك أن نحظى بالدخول في دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نكثر بقراءة حديثه من الصلاة والسلام عليه وعلى آله، وأن ننشر الوعي والفهم الصحيح للسنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وفي إطار نشر سنة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ونشر الفهم الصحيح لها؛ يجدر بنا أن ننبه إلى أمور مهمة جد، حقيق بنا أن نوضحها ونحن نعيشها، وهي تدور حول المحاور الآتية:
1. أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سار على منهج القرآن الكريم:((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى))، حيث إنه يدعو إلى الوحدة والمحبة، من أجل الوقوف صفا واحدا ضد أعداء الأمة، وأن لا يلتفت إلى الاختلافات وسقيها ورعايتها، وأن كل ذلك يخدم أعداء الأمة، يقول تعالى:(( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))، وقال عز من قائل:((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا))، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).وفي رواية:(( الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ)). رواه مسلم بسنده عن النعمان بن بشير.
وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تبلغ كثرة بحيث لا يسعها مصنّف.
فما علينا إلا أن نلتفت إلى وحدة الأمة وجمع كلمتها، دون تتبع الخلافات وعثرات الآخرين.
2.إن الألفاظ النبوية الشريفة التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يصعب علينا فهمها إلا بالرجوع إلى شراح الأحاديث النبوية الأئمة الفقهاء، كالحافظ ابن حجر شارح صحيح البخاري، أو من تصدى لشرح الغريب منها كابن الأثير صاحب كتاب النهاية في غريب الحديث، قال الإمام الخطابي شارح سنن أبي داود في حديثه عن أصحاب الحديث وأصحاب الفقه:(الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب))
وقال الحافظ السخاوي متحدثا عن من يحق له الاستنباط من الأحاديث وما يلزمهم معرفته:((وهذه صفة الأئمة الفقهاء، والمجتهدين الأعلام، كالشافعي ومالك وأحمد....)).
وعدم رجوعنا إلى هؤلاء الأعلام الذين فهموا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يجعلنا نقع في المحظور؛ حيث إننا سنفهم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم على نحو مجانب للصواب، ولا يقف الأمر على هذا فحسب، بل يصل إلى تخطئة الغير، بل ومعاداته ومحاربته بشتى الوسائل، وهذا أمر نهى عنه الشرع الحنيف، وسببه فهم خاطئ، ولنضرب على ذلك مثالا: فإنك تجد بعض الأشخاص يقولون بأن الصلاة في المساجد التي فيها قبور غير جائزة، بل وغير مقبولة، ويحثون الناس على عدم الصلاة في هذه المساجد، متمسكين خطئا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).أخرجه البخاري في صحيحه.
طبعا المتمسك بهذا القول لم يطلع على ما قاله شراح الحديث والإئمة المتخصصون في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك صدر ما صدر، فتعال معي إلى الأئمة الكرام لنرى ما فهموه من هذا الحديث، قال الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاري عند شرحه لهذا الحديث:(( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم؛ الذين صلوا في قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونه ، وذلك الشرك الأكبر))
ونقل العيني أن الخطابي ذكر في معالم السنن عن عبد الله بن عمر: أنه رخص في الصلاة في المقبرة، وحكي أيضا عن الحسن البصري أنه صلى في المقبرة.
ونقل فقال: قال البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجدا فيصلى فوقه.
وقال الحافظ ابن حجر شارح صحيح البخاري في كتابه فتح الباري:(( قال البيضاوي: لَمَّا كَانَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاء تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَة يَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاة نَحْوهَا وَاِتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا لَعَنَهُمْ وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْل ذَلِكَ ، فَأَمَّا مَنْ اِتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَار صَالِح وَقَصَدَ التَّبَرُّك بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا التَّعْظِيم لَهُ وَلَا التَّوَجُّه نَحْوه فَلَا يَدْخُل فِي ذَلِكَ الْوَعِيد)).
ونقل هذا الكلام الحافظ العيني، والحافظ السيوطي، وزاد: ألا ترى أن قبر إسماعيل بالحطيم، وذلك المحل أفضل للصلاة فيه.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار بعد ذكره للحديث وطرقه وشواهده:( وهذه الآثار قد عارضها قوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا).
وقال في التمهيد بعد ذكره للأحاديث الواردة:( وبهذا يستبين عند تعارض الآثار في ذلك؛ أن الناسخ منها قوله صلى الله عليه و سلم:((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا))، وقوله لأبي ذر:((حيثما أدركتك الصلاة فصل، فقد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)).
قال صاحب إعانة الطالبين:(( المنهي عنه قصد استقبالها للتبرك ونحوه)).
وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي:(( وَاِتِّخَاذُ الْقَبْرِ مَسْجِدًا مَعْنَاهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ إلَيْهِ)).
قال الشيخ عطية صقر رحمه الله تعالى أحد مشايخ الأزهر:الأئمة الثلاثة قالوا بصحة الصلاة وعدم كراهتها، اللهم إلا إذا كان القبر أمام المصلى فتكون مكروهة مع الصحة، ومحل هذا الخلاف إذا كان القبر في المسجد، أما إذا كان مفصولا عنه والناس يصلون في المسجد لا في الضريح، أو الجزء الموجود فيه القبر؛ فلا خلاف أبدا في الجواز وعدم الحرمة أو الكراهة.
3. إن من اللازم جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد لفهم السنة فهما صحيحا، بحيث يرد متشابهها إلى محكمها، ويجمل مطلقها على مقيدها، ويُفَسَّر عامها بخاصها، وبذلك يتضح المعنى المراد، و لا يضرب بعضها بعضا، كما هو الحال عند مع القرآن والسنة، فالسنة تبين القرآن، وتخصص عمومه، وتقيد إطلاقه.
ولنأخذ على ذلك مثالا، وليكن الأحاديث التي وردت في إسبال الإزار، وتشديد الوعيد عليه، وهو ما استند إليه كثير من الشباب، حيث شددوا إنكارهم على من لم يقصر ثوبه إلى ما فوق الكعبين، وبالغوا في ذلك حتى أوشكوا أن يجعلوا تقصير الثوب من شعائر الإسلام، أو فرائضه العظام، وإذا نظروا إلى مسلم لا يُقَصِّر ثوبه كما يفعلون؛ رموه بقلة الدين!
ولو رجعوا إلى مجموع الأحاديث المتصلة بهذه القضية، وردوا بعضها إلى بعض، في ضوء نظرة شاملة لمقاصد الإسلام من المُكلفين في شئون الحياة العادية، لعرفوا المقصود من الأحاديث في هذا المقام، ولخففوا من غلوائهم، ولم يركبوا متن الشطط، ولم
يضيقوا على الناس في أمر وسَّع الله عليهم فيه.
يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أَبِي ذَرّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)).
ما المراد بالمسبل؟ هل هو كل من أطال إزاره، ولو كان على سبيل العادة التي عليها قومه، دون أن يكون من قصده كبر أو خيلاء؟
لو أخذنا هذه الحديث وغيره من الروايات التي جمعت معناه لوجدناها تعم المعنيين، ولكن الذي يقرأ جملة الأحاديث الواردة في هذا الموضوع؛ يتبين له ما رجحه النووي وابن حجر وغيرهما: أن هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد(الخيلاء) فهو الذي ورد فيه الوعيد بالاتفاق.
قال الحافظ ابن حجر:(( وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ إِسْبَال الْإِزَار لِلْخُيَلَاءِ كَبِيرَة ، وَأَمَّا الْإِسْبَال لِغَيْرِ الْخُيَلَاء فَظَاهِر الْأَحَادِيث تَحْرِيمه أَيْضًا ، لَكِنْ اُسْتُدِلَّ بِالتَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِالْخُيَلَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاق فِي الزَّجْر الْوَارِد فِي ذَمّ الْإِسْبَال مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد هُنَا ، فَلَا يَحْرُم الْجَرّ وَالْإِسْبَال إِذَا سَلِمَ مِنْ الْخُيَلَاء)).
والأحاديث الْمُقَيِّدة منها: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما – قَال، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم –(( مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ أَحَدَ شِقَّىْ ثَوْبِى يَسْتَرْخِى إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم :(( إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاَءَ)).
إن الاكتفاء بظاهر حديث واحد، دون النظر في سائر الأحاديث وسائر النصوص المتعلقة بموضوعه؛ كثيرا ما يُوقع في الخطأ، ويبعد عن جادّة الصواب، وعن المقصود الذي سيق له الحديث، وللتوسع راجع المذكرة التي جمعت في هذا الموضوع.
هذه ركائز ثلاثة في التعامل مع حديث سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه، الرحمة للعالمين.
نسأل الله مولانا عز وجل العلي القدير أن ييسر هذه المسابقة، ويجعلها فاتحة خير لفهم السنة الفهم الصحيح، ولجمع فرقة المسلمين، وأن يتقبل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا أمة متوحدة تهتم بالأمور العظام، وأن يجعلنا من الدعاة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى الله الكريم اعتمادنا، وإليه تفويضنا واستنادنا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إِلاَّ باللهِ العزيزِ الحَكيم .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.
(مقدمة مسابقة زليتن للحديث)