مسلمة
08-07-2007, 08:31 AM
العلم علمان..1
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " حفظت من رسول الله صلى الله عليه و سلم وعائين من العلم : فأما أحدهما فقد بثثته . و أما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم " .
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث : " حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها أسامي أمراء السوء و أحوالهم و زمنهم . و قد كان أبو هريرة يكني عن بعضه و لا يصرح به خوفا على نفسه منهم كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين و إمارة الصبيان .. يشير إلى إمارة اليزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة " .
و لا يزال الخلاف في فهم هذا الحديث قائما بين الصوفية و بين أهل الحديث .. الصوفية يستدلون به على وجود علم خاص علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض أصحابه أمثال حذيفة و أبي هريرة دون بعض و يتعلق بما يسمى " علم الحقيقة " .. و المحدثون يسدون هذه الذريعة و ينكرون هذا التفسير مخافة أن يدخل على الدين ما ليس منه .
إن اشتراك الصوفية مع الباطنية و الزنادقة في استعمال كلمتي " باطن " و " ظاهر " عرض كلامهم لسوء الفهم .. و ليس إطلاع رسول الله صلى الله عليه و سلم على حوادث الغيب المستقبلة كأحوال أمراء السوء و زمنهم أمرا قادحا في الشريعة .. كما لا يقدح فيها إطلاع الله بعض عباده من خاصة أحبابه بوحي منام أو إلهام على حوادث كونية و دقائق فهمية .. و لا يزال أئمة هذا الدين منذ عهد الصحابة إلى الآن يعرفون للصالحين من نور القلب و لا ينكرون .
و لئن وقف طائفة من المحدثين على ذريعة التعارض المحتمل بين الظاهر و الباطن ليصدوا الزنادقة و يمنعوهم عن التلاعب بالدين فإن كبار الصوفية أنفسم كانوا في طليعة من حارب الباطنية و جادلهم و كفرهم .. ناهيك بكتاب الغزالي في " الرد على الباطنية " .
يقصد السادة الصوفية بمصطلح " علم الباطن " ما يفتح الله للصادقين من علوم قلبية و أنوار هي إلزاما نتيجة تطبيقهم للشرع و وفائهم لأمره و نهيه و أقواله و أفعاله .. مع إخلاص النية و توجه الهمة لله عز و جل .
العلم علمان ( 2 ) :
روى ابن أبي شيبة و الدارمي حديثا مرسلا بإسناد حسن عن الإمام حسن البصري قال : " العلم علمان : فعلم في القلب فذاك العلم النافع . و علم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم " .
و قال الإمام مالك : " إن الحكمة مسحة ملك على قلب العبد " . و قال : " يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله و أمر يدخله الله القلوب من رحمته و فضله " ( نقلا عن " الموافقات " للشاطبي ج 4 ص 61 ) .
هذا كلام واضح في أن أئمة الدين قبل ظهور كلمة " تصوف " كانوا على علم تام بنور القلب و الحكمة و " مسحة الملك " .. بل كانوا من أهل هذا الشأن أصالة و بحق .
و قد كان الإمام الشافعي صاحب فراسة و كشف كما سنبين في فقرة لاحقة إن شاء الله . و هو الذي كتب في رسالته : " العلم علمان : علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على أمره جهله ( ... ) و علم خاص بما ينوب العباد من فروع الفرائض و ما يخص به من الأحكام و غيرها مما ليس فيه نص كتاب و لا في أكثره نص سنة . و إن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة " . ( رسالة الشافعي ص 154 ) .
فالشافعي إذن أصل مفهومين أساسيين : " العامة " و " الخاصة " .
و للمستشرقين و تلامذتهم ولوع بالحديث عن " الخاصة " و " العامة " يتخذون المفهومين سندا و ألة لتحليل التاريخ الإسلامي و الفقه الإسلامي على هواهم تحليلا ماديا طبقيا . كما يلعبون على التقابل بين " الظاهر " و " الباطن " ليعمقوا فكرة أن التصوف فلسفة دخيلة على الإسلام دين البدو الغلاظ .. لم يعرفوا عن القلب و نور القلب إلا من مخالطتهم للحضارات و الديانات العريقة عند الفرس و الروم و السند و الهند .
نفتح كتاب الله عز و جل لنقرأ من خبر موسى مع العبد الصالح الذي سمته السنة خضرا .. أخبرنا الله عز و جل أن موسى رحل مع فتاه .. بوحي من الله .. ليلقى " عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما " . ( سورة الكهف الآية 64 ) .
بقية القصص الحق تدل على أن من عباد الله من يعلمهم الله من عنده .. و من يأمرهم بأمره .. و من ينصبهم معلمين لعباده . قال الخضر لموسى حين التقيا : " إنك لن تستطيع معي صبرا . و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا . قال ستجدني إن شاء الله صابرا و لا أعصي لك أمرا " . ( سورة الكهف الآية 68 ) .
و جاء في صحيح البخاري .. كتاب التفسير .. عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الخضر قال لموسى : " يا موسى ! إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه .. و أنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه " . و جاء بالقصة في سياق طويل .
في قول الله عز و جل " و علمناه من لدنا علما " مستمسك القائلين بالعلم اللدني .. مستمسك و مرجع للمصطلح .. أما المصطلح عليه فعطاء من الله عز و جل لا يد لأحد فيه .. و " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " . و فتح الله لأوليائه خبر متواتر على مر الأجيال .. ينكره من جهل و يجحده من حرم . و ما علينا إلا أن نسمع شهادة الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد .
العلم علمان ( 3 )
الخضر عليه السلام شخصية مباركة .. ثبت في الصحيح ( كما قال الحافظ ابن حجر ) أنه جاء الصحابة معزيا في وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم . و يقول بعض المحدثين و في مقدمتهم الإمام البخاري أنه عليه السلام مات بعد ذلك .. بينما يؤكد أئمة آخرون من أهل الحديث أنه حي يرزق أنظره الله إلى يوم يبعثون . قال الإمام ابن الصلاح في فتاويه : " أما الخضر صلى الله عليه و سلم فهو من الأحياء عند جماهير الخاصة من العلماء و الصالحين .. و العمة معهم في ذلك . و إنما شذ بإنكار ذلك بعض أهل الحديث . و هو صلى الله عليه و على نبينا و على آل كل و سلم نبي . و اختلفوا في كونه مرسلا . و الله أعلم " ( " فتاوي لبن الصلاح " المجلد الأول من الرسائل المنيرية ص 24 ) .
و قد ألف الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني رسالة سماها " الزهر النضر في نبإ الخضر " نقل فيه عن الإمام النووي المحدث الكبير الصوفي قوله : " قال الأكثرون من العلماء هو ( أي الخضر ) حي موجود بين أظهرنا . و ذلك متفق عليه بين الصوفية و أهل الصلاح و المعرفة . و حكاياتهم في رؤيته و الاجتماع به و الأخذ عنه و سؤاله و جوابه و حضوره في المواضع الشريفة و مواطن الخير أكثر من أن تحصى و أشهر من أن تذكر " .
شيخ الإسلام ابن تيمية ممن يؤكد في كل مؤلفاته أن الباطن هو أصل الظاهر و عماده .. و إن كان يحذر من تصور الشيطان لبعضهم يزعم أنه الخضر . و له كلام في غاية الجودة .. قال : " إن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه و سلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه و سلم . و كل ما حصل له من الهدى و دين الحق هو بواسطة محمد صلى الله عليه و سلم . و كذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه .. و من ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه و سلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيها إلى محمد صلى الله عليه و سلم فهو كافر ملحد . و إذا قال أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن .. أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود و النصارى ( ... ) . و كذلك هذا الذي يقول إن محمدا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به و كفر ببعض .. فهو كافر و هو أكفر من أولئك لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب و معارفها و أحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة . و هذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة " .
هذه كلمة رجل شديد سديد في موضوع " العلم علمان " . . و هاك كلمات أئمة هذا الشأن ممن لهم الباع الطويل في علمي الظاهر و الباطن .
العلم علمان ( 4 )
قال الإمام الرفاعي : " لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة : نحن أهل الباطن و هم أهل الظاهر . هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره.. و ظاهره ظرف باطنه . لولا الظاهر لما كان الباطن و لما صح . القلب لا يقوم بلا جسد . بل لولا الجسد لفسد . و القلب نور الجسد .
هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب . فالأول ( علم الظاهر ) عمل بالأركان .. و الثاني ( علم الباطن ) تصديق بالجنان . إذا انفرد قلبك بحسن نيته و طهارة طويته و قتلت و سرقت و زنيت و أكلت الربا و شربت الخمر و كذبت و تكبرت و أغلظت القول فما الفائدة من نيتك و طهارة قلبك ؟ و إذا عبدت الله و تعففت و صمت و تصدقت و تواضعت و أبطن قلبك الرياء و الفساد فما الفائدة من عملك ؟ ( ... ) لا تعملوا بالفرق و التفريق بين الظاهر و الباطن فإن ذلك زيغ و بدعة .. لا تهملوا حقوق الفقهاء و العلماء فإن ذلك جهل و حمق . لا تأخذوا بحلاوة العلم و تتركوا مرارة العمل فإن تلك الحلاوة لا تنفع إلا بتلك المرارة . و إن تلك المرارة تتيح الحلاوة الأبدية " ( البرهان المؤيد ص 68 ) .
كلام معلم كبير يعالج أمراض الغرور عند بعض المريدين الحديثي العهد بالانتساب للقوم .. تحدوهم نشوة الأذواق و سكرة القلوب و نورانية الكرامات فتختل موازينهم .
أما الأولياء الكمل فيعطون كل ذي حق حقه .. و يعظمون أهل العلم لا سيما العاملين منهم .. و إن كانت أعين قلوبهم التي صقلها الذكر و أحيتها الصحبة و فتح لها فضل الله ترى ما لا يراه الغافلون . هم مع الخلق بالحواس المشتركة الظاهرة و العقل المشترك .. و هم لهم حاسة باطنة هي القلب المنور .
قال الإمام عبد القادر رحمه الله : " العقلاء النجباء الصديقون قد نفخ في صورهم و قد أقاموا القيامة على نفوسهم و أعرضوا عن الدنيا بهممهم و عبروا الصراط بتصديقهم . و ساروا بقلوبهم حتى وقفوا على باب الجنة . و قفوا عند الطريق و قالوا : لا نأكل و لا نشرب وحدنا لأن الكريم لا يأكل وحده . فرجعوا إلى الدنيا قهقرى يدعون الناس إلى طاعة الله عز و جل و يخبرونهم بما هناك فيسهلون الأمور عليهم .
من قوي إيمانه و تمكن في إيقانه رأى بقلبه جميع ما أخبره الله عز و جل به من أمور القيامة . يرى الجنة و النار و ما فيهما . يرى الصور و الملك الموكل به . يرى الأشياء كما هي . يرى الدنيا و زوالها و انقلاب دول أهلها " ( الفتح الرباني ص 93 ) .
أقول : ما كتمه أبو هريرة بعد أن أخذه رواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو من هذا القبيل . و ليس خبر الدنيا و زوالها و انقلاب دول أهلها ما يشغل العارفين الكمل .
" يرى الخلق كأنهم قبور تمشي . و إذا اجتاز على القبور أحس بما فيها من النعيم و العذاب . يرى القيامة و ما فيها من القيام و المواقف . يرى رحمة الله عز و جل و عذابه . يرى الملائكة قياما و الأنبياء و المرسلين و الأبدال و الأولياء على مراتبهم . يرى أهل الجنة يتزاورون و أهل النار في النار يتعاوون
من صح يقينه نظر بعين رأسه الخلق .. و بعين قلبه فعل الله عز و جل فيهم .. يرى تحريكه و تسكينه لهم .. فهذا نظر العزة . من أولياء الله عز و جل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه و باطنه بعين قلبه . و ينظر مولاه عز و جل بعين سره " .
كان هذا تقديما لتأمل مراتب العلم .. أعرف أنه يطرح قضايا شائكة قد تثير تساؤلات جادة .. لكن أعد أحبتي أن أواصل الحوار و التأصيل لما استشكل من الأمور بقدر ما ييسر الله عز و جل من ذلك .. كل ما أرجوه أن نراعي آداب الاختلاف في تواصلنا و أن نتخلص من وطأة أحكام مسبقة اكتسبناها بموجب انتمائنا المذهبي .. فكثيرا ما يكون الخلل في فهمنا نحن لمقتضيات مذاهبنا فننسب لمذاهبنا ما ليس منها ..
تتناول الصفحات المقبلة بإذن الله معاني توضع المقولة التالية : " إن درجة العالم إلى العارف كدرجة الجاهل إلى العالم "
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .يتبع ومنقول
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " حفظت من رسول الله صلى الله عليه و سلم وعائين من العلم : فأما أحدهما فقد بثثته . و أما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم " .
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث : " حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها أسامي أمراء السوء و أحوالهم و زمنهم . و قد كان أبو هريرة يكني عن بعضه و لا يصرح به خوفا على نفسه منهم كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين و إمارة الصبيان .. يشير إلى إمارة اليزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة " .
و لا يزال الخلاف في فهم هذا الحديث قائما بين الصوفية و بين أهل الحديث .. الصوفية يستدلون به على وجود علم خاص علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض أصحابه أمثال حذيفة و أبي هريرة دون بعض و يتعلق بما يسمى " علم الحقيقة " .. و المحدثون يسدون هذه الذريعة و ينكرون هذا التفسير مخافة أن يدخل على الدين ما ليس منه .
إن اشتراك الصوفية مع الباطنية و الزنادقة في استعمال كلمتي " باطن " و " ظاهر " عرض كلامهم لسوء الفهم .. و ليس إطلاع رسول الله صلى الله عليه و سلم على حوادث الغيب المستقبلة كأحوال أمراء السوء و زمنهم أمرا قادحا في الشريعة .. كما لا يقدح فيها إطلاع الله بعض عباده من خاصة أحبابه بوحي منام أو إلهام على حوادث كونية و دقائق فهمية .. و لا يزال أئمة هذا الدين منذ عهد الصحابة إلى الآن يعرفون للصالحين من نور القلب و لا ينكرون .
و لئن وقف طائفة من المحدثين على ذريعة التعارض المحتمل بين الظاهر و الباطن ليصدوا الزنادقة و يمنعوهم عن التلاعب بالدين فإن كبار الصوفية أنفسم كانوا في طليعة من حارب الباطنية و جادلهم و كفرهم .. ناهيك بكتاب الغزالي في " الرد على الباطنية " .
يقصد السادة الصوفية بمصطلح " علم الباطن " ما يفتح الله للصادقين من علوم قلبية و أنوار هي إلزاما نتيجة تطبيقهم للشرع و وفائهم لأمره و نهيه و أقواله و أفعاله .. مع إخلاص النية و توجه الهمة لله عز و جل .
العلم علمان ( 2 ) :
روى ابن أبي شيبة و الدارمي حديثا مرسلا بإسناد حسن عن الإمام حسن البصري قال : " العلم علمان : فعلم في القلب فذاك العلم النافع . و علم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم " .
و قال الإمام مالك : " إن الحكمة مسحة ملك على قلب العبد " . و قال : " يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله و أمر يدخله الله القلوب من رحمته و فضله " ( نقلا عن " الموافقات " للشاطبي ج 4 ص 61 ) .
هذا كلام واضح في أن أئمة الدين قبل ظهور كلمة " تصوف " كانوا على علم تام بنور القلب و الحكمة و " مسحة الملك " .. بل كانوا من أهل هذا الشأن أصالة و بحق .
و قد كان الإمام الشافعي صاحب فراسة و كشف كما سنبين في فقرة لاحقة إن شاء الله . و هو الذي كتب في رسالته : " العلم علمان : علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على أمره جهله ( ... ) و علم خاص بما ينوب العباد من فروع الفرائض و ما يخص به من الأحكام و غيرها مما ليس فيه نص كتاب و لا في أكثره نص سنة . و إن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة " . ( رسالة الشافعي ص 154 ) .
فالشافعي إذن أصل مفهومين أساسيين : " العامة " و " الخاصة " .
و للمستشرقين و تلامذتهم ولوع بالحديث عن " الخاصة " و " العامة " يتخذون المفهومين سندا و ألة لتحليل التاريخ الإسلامي و الفقه الإسلامي على هواهم تحليلا ماديا طبقيا . كما يلعبون على التقابل بين " الظاهر " و " الباطن " ليعمقوا فكرة أن التصوف فلسفة دخيلة على الإسلام دين البدو الغلاظ .. لم يعرفوا عن القلب و نور القلب إلا من مخالطتهم للحضارات و الديانات العريقة عند الفرس و الروم و السند و الهند .
نفتح كتاب الله عز و جل لنقرأ من خبر موسى مع العبد الصالح الذي سمته السنة خضرا .. أخبرنا الله عز و جل أن موسى رحل مع فتاه .. بوحي من الله .. ليلقى " عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما " . ( سورة الكهف الآية 64 ) .
بقية القصص الحق تدل على أن من عباد الله من يعلمهم الله من عنده .. و من يأمرهم بأمره .. و من ينصبهم معلمين لعباده . قال الخضر لموسى حين التقيا : " إنك لن تستطيع معي صبرا . و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا . قال ستجدني إن شاء الله صابرا و لا أعصي لك أمرا " . ( سورة الكهف الآية 68 ) .
و جاء في صحيح البخاري .. كتاب التفسير .. عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الخضر قال لموسى : " يا موسى ! إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه .. و أنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه " . و جاء بالقصة في سياق طويل .
في قول الله عز و جل " و علمناه من لدنا علما " مستمسك القائلين بالعلم اللدني .. مستمسك و مرجع للمصطلح .. أما المصطلح عليه فعطاء من الله عز و جل لا يد لأحد فيه .. و " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " . و فتح الله لأوليائه خبر متواتر على مر الأجيال .. ينكره من جهل و يجحده من حرم . و ما علينا إلا أن نسمع شهادة الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد .
العلم علمان ( 3 )
الخضر عليه السلام شخصية مباركة .. ثبت في الصحيح ( كما قال الحافظ ابن حجر ) أنه جاء الصحابة معزيا في وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم . و يقول بعض المحدثين و في مقدمتهم الإمام البخاري أنه عليه السلام مات بعد ذلك .. بينما يؤكد أئمة آخرون من أهل الحديث أنه حي يرزق أنظره الله إلى يوم يبعثون . قال الإمام ابن الصلاح في فتاويه : " أما الخضر صلى الله عليه و سلم فهو من الأحياء عند جماهير الخاصة من العلماء و الصالحين .. و العمة معهم في ذلك . و إنما شذ بإنكار ذلك بعض أهل الحديث . و هو صلى الله عليه و على نبينا و على آل كل و سلم نبي . و اختلفوا في كونه مرسلا . و الله أعلم " ( " فتاوي لبن الصلاح " المجلد الأول من الرسائل المنيرية ص 24 ) .
و قد ألف الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني رسالة سماها " الزهر النضر في نبإ الخضر " نقل فيه عن الإمام النووي المحدث الكبير الصوفي قوله : " قال الأكثرون من العلماء هو ( أي الخضر ) حي موجود بين أظهرنا . و ذلك متفق عليه بين الصوفية و أهل الصلاح و المعرفة . و حكاياتهم في رؤيته و الاجتماع به و الأخذ عنه و سؤاله و جوابه و حضوره في المواضع الشريفة و مواطن الخير أكثر من أن تحصى و أشهر من أن تذكر " .
شيخ الإسلام ابن تيمية ممن يؤكد في كل مؤلفاته أن الباطن هو أصل الظاهر و عماده .. و إن كان يحذر من تصور الشيطان لبعضهم يزعم أنه الخضر . و له كلام في غاية الجودة .. قال : " إن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه و سلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه و سلم . و كل ما حصل له من الهدى و دين الحق هو بواسطة محمد صلى الله عليه و سلم . و كذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه .. و من ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه و سلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيها إلى محمد صلى الله عليه و سلم فهو كافر ملحد . و إذا قال أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن .. أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود و النصارى ( ... ) . و كذلك هذا الذي يقول إن محمدا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به و كفر ببعض .. فهو كافر و هو أكفر من أولئك لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب و معارفها و أحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة . و هذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة " .
هذه كلمة رجل شديد سديد في موضوع " العلم علمان " . . و هاك كلمات أئمة هذا الشأن ممن لهم الباع الطويل في علمي الظاهر و الباطن .
العلم علمان ( 4 )
قال الإمام الرفاعي : " لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة : نحن أهل الباطن و هم أهل الظاهر . هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره.. و ظاهره ظرف باطنه . لولا الظاهر لما كان الباطن و لما صح . القلب لا يقوم بلا جسد . بل لولا الجسد لفسد . و القلب نور الجسد .
هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب . فالأول ( علم الظاهر ) عمل بالأركان .. و الثاني ( علم الباطن ) تصديق بالجنان . إذا انفرد قلبك بحسن نيته و طهارة طويته و قتلت و سرقت و زنيت و أكلت الربا و شربت الخمر و كذبت و تكبرت و أغلظت القول فما الفائدة من نيتك و طهارة قلبك ؟ و إذا عبدت الله و تعففت و صمت و تصدقت و تواضعت و أبطن قلبك الرياء و الفساد فما الفائدة من عملك ؟ ( ... ) لا تعملوا بالفرق و التفريق بين الظاهر و الباطن فإن ذلك زيغ و بدعة .. لا تهملوا حقوق الفقهاء و العلماء فإن ذلك جهل و حمق . لا تأخذوا بحلاوة العلم و تتركوا مرارة العمل فإن تلك الحلاوة لا تنفع إلا بتلك المرارة . و إن تلك المرارة تتيح الحلاوة الأبدية " ( البرهان المؤيد ص 68 ) .
كلام معلم كبير يعالج أمراض الغرور عند بعض المريدين الحديثي العهد بالانتساب للقوم .. تحدوهم نشوة الأذواق و سكرة القلوب و نورانية الكرامات فتختل موازينهم .
أما الأولياء الكمل فيعطون كل ذي حق حقه .. و يعظمون أهل العلم لا سيما العاملين منهم .. و إن كانت أعين قلوبهم التي صقلها الذكر و أحيتها الصحبة و فتح لها فضل الله ترى ما لا يراه الغافلون . هم مع الخلق بالحواس المشتركة الظاهرة و العقل المشترك .. و هم لهم حاسة باطنة هي القلب المنور .
قال الإمام عبد القادر رحمه الله : " العقلاء النجباء الصديقون قد نفخ في صورهم و قد أقاموا القيامة على نفوسهم و أعرضوا عن الدنيا بهممهم و عبروا الصراط بتصديقهم . و ساروا بقلوبهم حتى وقفوا على باب الجنة . و قفوا عند الطريق و قالوا : لا نأكل و لا نشرب وحدنا لأن الكريم لا يأكل وحده . فرجعوا إلى الدنيا قهقرى يدعون الناس إلى طاعة الله عز و جل و يخبرونهم بما هناك فيسهلون الأمور عليهم .
من قوي إيمانه و تمكن في إيقانه رأى بقلبه جميع ما أخبره الله عز و جل به من أمور القيامة . يرى الجنة و النار و ما فيهما . يرى الصور و الملك الموكل به . يرى الأشياء كما هي . يرى الدنيا و زوالها و انقلاب دول أهلها " ( الفتح الرباني ص 93 ) .
أقول : ما كتمه أبو هريرة بعد أن أخذه رواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو من هذا القبيل . و ليس خبر الدنيا و زوالها و انقلاب دول أهلها ما يشغل العارفين الكمل .
" يرى الخلق كأنهم قبور تمشي . و إذا اجتاز على القبور أحس بما فيها من النعيم و العذاب . يرى القيامة و ما فيها من القيام و المواقف . يرى رحمة الله عز و جل و عذابه . يرى الملائكة قياما و الأنبياء و المرسلين و الأبدال و الأولياء على مراتبهم . يرى أهل الجنة يتزاورون و أهل النار في النار يتعاوون
من صح يقينه نظر بعين رأسه الخلق .. و بعين قلبه فعل الله عز و جل فيهم .. يرى تحريكه و تسكينه لهم .. فهذا نظر العزة . من أولياء الله عز و جل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه و باطنه بعين قلبه . و ينظر مولاه عز و جل بعين سره " .
كان هذا تقديما لتأمل مراتب العلم .. أعرف أنه يطرح قضايا شائكة قد تثير تساؤلات جادة .. لكن أعد أحبتي أن أواصل الحوار و التأصيل لما استشكل من الأمور بقدر ما ييسر الله عز و جل من ذلك .. كل ما أرجوه أن نراعي آداب الاختلاف في تواصلنا و أن نتخلص من وطأة أحكام مسبقة اكتسبناها بموجب انتمائنا المذهبي .. فكثيرا ما يكون الخلل في فهمنا نحن لمقتضيات مذاهبنا فننسب لمذاهبنا ما ليس منها ..
تتناول الصفحات المقبلة بإذن الله معاني توضع المقولة التالية : " إن درجة العالم إلى العارف كدرجة الجاهل إلى العالم "
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .يتبع ومنقول