المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفات الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه


algalhud77
13-07-2007, 06:59 AM
صـفــات مـالــك
الإنسان الفذ لا بد أن يحمل من الصفات والقدرات ما يميزه عن عموم الناس، ويخرجه من الذوبان في التوجهات والاهتمامات التي تستغرق الجماهير. وأفضل مرآة تعكس صفات الأفذاذ وخصائصهم هي أقوالهم ومواقفهم، كما أن ميدان تميزهم يظهر في توظيفهم للقدرات التي منحهم الله إياها..
ورجل كمالك بن أنس: مع أنه عاش في عصر مملوء بالأفذاذ في دنيا العلم والسياسة والأدب، إلا أنه تميز وبرز وسطعت شمسه إلى جانب شموسٍ وكواكب أخرى كثيرة، ووقع له هذا ـ بفضل الله تعالى ـ بمجموع الصفات والقدرات التي حملتها شخصيته.
وعند القراءة في حياة الإمام ومواقفه سنجد أن أهم صفاته ما يلي:
أولا - الإخلاص:
الإخلاص سر ينطوي عليه قلب المؤمن، فلا ينكشف للناس عيانا، لكنه يُعرَف بأمور، منها:
- التوفيق الذي يصحب الإنسان في سعيه إلى الخير.
- وتواضع الإنسان أمام جلال الحق.
- ودأبه وحرصه على ما فيه موافقة للشرع الحنيف.
- وإشراق الحق الذي يعبر عنه بقلمه أو لسانه.
- وكثرة محبيه من المؤمنين.
والإخلاص نور يشرق في النفس فيضيء الفكر، ويوجهه إلى الطريق المستقيم، ويرافق الاتجاه المستقيم الخالي من شوائب الغرض والهوى والشهوة فيض روحاني يدرك به الباحث الأمور من غير التواء ولا امتراء، إذ إنه لا شيء يعكر صفو الفكر، ويكون كالغيم على الحقائق: يمنع العقل من إدراكها - أكثرَ من انغماس النفس في الشهوات، واستيلاء الهوى على الإدراك، واستغراق الأحاسيس المختلفة للمدارك، فإنها تجعل العقل يعمى عن الحقائق، فتعمه البصيرة، ولا تنفذ إلى الأمور.
ولقد كان يدفع مالكا إلى الإخلاص أن العلم الذي يطلبه كان يتصل بالدين، وهو قربة يتقرب بها إلى الله، وإنما الأعمال بالنيات، فلا يُحتَسَب له من الخير إلا بمقدار إخلاص النية، واحتسابها لربه، ولذلك كان يقول - رضي الله عنه: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذونه". وكان يدفعه إلى الإخلاص أنه كان يعتقد أن نور العلم لا يُؤنِس إلا مَن امتلأ قلبه بالتقوى والإخلاص، ولذلك أُثِر عنه - رضي الله عنه - أنه كان يقول: "العلم نور لا يأنس إلا بقلبٍ تقي خاشع".
فالإخلاص وترك ملاذ الدنيا وشهواتها ينير السبيل لطالب العلم في نظره، ولذلك كان يقول: "ما زهد أحد في الدنيا إلا أنطقه الله بالحكمة".
وقد قال لتلميذه ابن وهب يوصيه: "إن كنت تريد بما طلبت ما عند الله، فقد أصبت ما تنتفع به، وإن كنت تريد بما تعلمت الدنيا، فليس في يدك شيء".
ثانيًا - تحرزه وتقواه:
إن الذي يحب الحق ويتعلق قلبه به، يكره لأجله الباطل ويتحاشاه، بل يحرص على التأكد من سلامة الطريق الذي يسلكه، يقول مالك ـ رحمه الله: "خير الأمور ما كان منها ضاحيًا بينًا، وإن كنت في أمرين أنت منهما في شكٍّ فخذ الذي هو أوثق".
ومن المواقف التي كان يحترز فيها الإمام مخافة الزلل: عند رواية الحديث وإجابة الفتوى، فمثلا عندما يسأله أحد في أمر من أمور الدين، يفكر التفكير الطويل العميق، ولا يسارع إلى الإفتاء، فإن اهتدى إلى شيء قال به، وإلا قال: لا أدري. يقول تلميذه ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: "إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة ما اتفق لي فيها رأي إلى الآن"! وكان يقول: "ربما وردت عليَّ مسألة فأسهر فيها عامة ليلتي".
وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا سُئِل عن المسألة، قال للسائل: انصرف حتى أنظر، فينصرف، ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك فبكى، وقال: "إني أخاف أن يكون لي من المسائل يومٌ وأي يوم"! وكان يقول: "مَن أحب أن يجيب عن مسألة، فليعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة".
وسأله سائل، وقال: مسألة خفيفة، فغضب وقال: مسألة خفيفة سهلة؟‍‍!! ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً(5)) (سورة المزمل) فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يُسأل عنه يوم القيامة".
وقد سُئِل عن اثنتين وعشرين مسألة، فأجاب عن اثتنين فقط، وأعلن في الباقي أنه لا يعلمها. وكان يجيئه المستفتِي من أقصى الأرض، وهو يحسب أنه جاء إلى مَن لا يُعجزه السؤال، ويلمح مالك ذلك، فيسأله، فإذا كان مالك لم يعرف وجه الحق على اليقين قال: لا أحسن، ولا يهتم بأن يُقال: مالك لا يعرف!
وأما الحديث، فكان يقل من روايته، ويحترز في نقله، وقد وجدوا بعد موته صندوقين من الكتب قد دوَّنها ولم يعلنها، وقال بعض أبناء تلاميذه: "وجدنا في تركة مالك صندوقين فيهما كتب، فجعل أبي يقرؤها ويبكي، ويقول: رحمك الله أن كنت تريد بعلمك وجه الله تعالى، لقد جالستُه الدهر الطويل، وما سمعتُه يُحَدِّث بشيء مما قرأناه".
وقال أحمد بن صالح: "نظرتُ في أصول مالك فوجدتُها شبيهًا باثني عشر ألف حديث، وهو حديث أهل المدينة في ذلك الوقت، فلم يحدث مالك إلا بثلثها أو ربعها".
وقيل لمالك: "عند ابن عيينة أحاديث ليست عندك! فقال: إن أحدِّث بكل ما سمعتُ إني إذن أحمق، إني أريد أن أُضِلَّهم إذن، ولقد خرجتْ مني أحاديث لودِدْتُ أني ضُرِبتُ بكل حديث منها سوطًا ولم أحدِّث بها".
ثالثًا - عقل مالك:
عديدون من العلماء الكبار وصفوا مالكا بأنه "عاقل"، "واتفقوا أنه كان أعقل أهل زمانه"، مما يعني بروز هذه الملكة فيه، بانضباط أفكاره، ودقة تخريجاته وملاحظاته، وقدرته الفائقة على استنباط الحكم من النص الشرعي.
كان ربيعة أستاذ مالك يقول إذا جاء تلميذه: "قد جاء العاقل"، وقال عبد الرحمن بن مهدي: "لقيت أربعة: مالكًا وسفيانَ وشعبة وابن المبارك فكان مالك أشدهم عقلاً". وقال أيضًا: "ما رأت عيناي أحدًا أهيب من هيبة مالك، ولا أتمَّ عقلاً ولا أشدَّ تقوى ولا أوفر دماغًا من مالك".
وقال هارون الرشيد عنه (وكان هارون نفسه عالما): "ما رأيت أعقل منه". وقال سفيان بن عيينة: "إن بالمدينة مَن بُورك في عقله، يعني مالكًا". وقال أحمد بن حنبل: "كان مالك سيدًا من السادات في عقله وفي أدبه، رحم الله مالكًا!".
ومن تجليات هذه الصفة عند مالك: قوة حافظته، وهي مما يعد ميزة لأصحاب العقل والفهم، فلقد آتاه الله حافظة تعي، وذاكرة تستوعب، فإذا استمع إلى شيء استمع إليه في حرص، ووعاه وعيًا تامًّا، حتى إنه ليستمع نيفًا وأربعين حديثًا مرة واحدة فيجيء في اليوم التالي، ويلقي على مَن استمعها منه، وهو الزهري ، أربعين منها. ويسمع في مجلس واحد ثلاثين حديثًا لا يقيدها في كتاب، فلا يغيب عنه إلا حديث واحد، فيذهب إلى الزهري فيسأله عنه فلا يجيبه إلا بعد اللوم. وقال له الزهري: "أنت من أوعية العلم، وإنك لنعم المستودع للعلم".
رابعًا - هيبة مالك:
هيبة الرجل لا تعني أن يكون مخيفا، تقذف رؤيته الرعب في قلوب الناس، ولكنها إجلال يدفع إلى الاحترام والتوقير والشعور بنوع من الحياء عند مخاطبة هذا المُهَاب أو الإنصات إليه أو النظر إلى قسمات وجهه.
وقد كان مالك مهابا من تلامذته وأهل بيته، بل هابه الخلفاء أنفسهم، إذ يُروَى أن المهدي دعاه، وقد ازدحم الناس بمجلسه، ولم يبق موضع لجالس، حتى إذا حضر مالك، تنحَّى الناس له حتى وصل إلى الخليفة، فتنحى له عن بعض مجلسه، فرفع إحدى رِجْلَيْه، ليُفسِح لمالك المجلس.
ولقد رأى الرجلَ المهيب ومجلسَه بعضُ مَن يقول الشعر فقال:
يأبى الجـواب فما يُراجَع هيبةً والسائلون نواكس الأذقـان
أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المُطاع وليس ذا سلطان
خامسًا - فِراسته:
الفراسة ترجع إلى الإحساس ونفاذ البصيرة والتنبُّه الشديد، والتتبع لحركات الأعضاء، وما يقترن بها من أمور نفسية.
وقد "كانت لمالك ـ كما قال أحد تلاميذه ـ فراسة لا تخطئ". وحكى الشافعي قال: "لما سرتُ إلى المدينة، ولقيت مالكًا، وسمع كلامي، نظر إليَّ ساعة - وكانت له فراسة - ثم قال لي: ما اسمُك؟ قلت: محمد، قال: يا محمد، اتق الله، واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشأن".
وهذه الفراسة لا شك نافعة في استبطان الأستاذ لنفوس تلاميذه، ومعرفته بميولهم، ليلقي عليهم ما يلائمهم، ويدخل إلى نفوسهم من المداخل الصحيحة.
سادسًا - نفوره من الجدل:
كان مالك يرى أن العلم أجل من أن يكون موضع جدال ومسابقة؛ لأن الغرض منه في هذه الحال سيكون كسب إعجاب السامعين، ثم كان يرى أن الجدل لا يليق بكرامة العلماء، لأن السامعين ينظرون إليهم، وهم يتغالبون في القول، كما ينظرون إلى الديَكة، وهي تتناقر. قال الرشيد لمالك: ناظِرْ أبا يوسف، فقال له مالك: "إن العلم ليس كالتحريض بين البهائم والدِّيَكة"!!
وكان الإمام ينهى غيره عن الجدال في الدين، وكان يقول: "الجدال في الدين ليس بشيء"، ويقول: "المراء والجدال في الدين يذهب بنور العلم من قلب العبد"، ويقول: "إن الجدال يقسِّي القلب، ويورث الضغن"، ورأى قومًا يتجادلون عنده، فقام ونفض رداءه، وقال: "إنما أنتم في حرب".
وكان يرى أن الإيغال في الجدل يزداد الناس بقدره بعدا عن تعاليم الوحي، ولذلك كان يقول: "كلما جاء رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل".
سابعًا - الصبر والجَلَد:
وقائع حياة الإمام مالك تؤكد أن الصبر كان معْلما مهما في حياته وأخلاقه؛ فقد غالَب الفقر، حتى باع أخشاب سقف بيته في سبيل العلم، وكان يجلس على باب دار شيخه في شدة البرد، ويتقي برد المجلس بوسادة يجلس عليها، وكان يصبر على ما يبدر من الشيوخ من حِدَّة، ويتلقاها بصدر رحيب؛ لأن ما يجنيه من علمهم يذهب بغضاضة الحدة، ولاذع القول، ومرارة اللوم، ولو كان من غير مبرر أحيانًا.
وكأنه يرى أن المجاهدة في طلب العلم تثبّته وتُمَكِّنه في النفس، ككل شيء في هذا الوجود، فما يجيء بيسر وسهولة لا تكون له النفاسة التي توحي للنفس باستحفاظه، وما يجيء بمشقة يكون نفيسًا، فيُستَحْفَظ. ولذلك كان يقول: "لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم، حتى يضربه الفقر، ويؤثره على كل حال". وكان يأخذ تلاميذه بذلك، فيحثهم على احتمال المشاقِّ في طلب العلم بالقول وبالعمل.
وكان يقول عن العلم: "من طلب هذا الأمر صبر عليه".

منقول عن برنامج الأئمة الأربعة من إنتاج شركة أر.دي.آي Rdi

alasmri
13-07-2007, 04:41 PM
http://www.openiu.com/upload/070708/122457204446913bbdb799f.gif
http://www.openiu.com/upload/070708/202053700546913ca403d22.gif

رمزى
16-07-2007, 10:25 AM
السلام عليكم

بارك الله فيك أخي القلهود