المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف الفقهاء المسلمين من التشريح


أ زكية القعود
14-11-2007, 03:18 PM
موقف الفقهاء المسلمين من التشريح
إعداد أ / زكية بالناصر القعود جامعة قاريونس

لقد اعتقد بعض المستشرقين أن الأطباء والعلماء المسلمين كانوا نقلة ولم يبدعوا أو يسهموا فى تقدم علم التشريح خاصة، فيما يتعلق بخلق الإنسان وتكوين الجنين وعلم الغرائز (1) وأنهم اعتمدوا على المعارف التى وصلتهم من مدرسة الإسكندرية ولم يزيدوا فى كتاباتهم شيئا ً على ما تناولوه من علم التشريح وكل آثارهم المنسوبة لهم فى هذه الصناعة أسماء بعض أعضاء جسم الإنسان ترجموها من اليونانية إلى العربية (2) و أرجعو السبب فى ذلك إلى تزمت بعض رجال الشريعة فى ذلك الزمان . مما حدا ببعضهم إلى تحريم هذا العلم واتهام من يقوم بالتشريح بالزيغ عن الدين والبعد عن الرحمة الإنسانية ، والحقيقة غير ذلك . فالدين الإسلامي الحنيف قد شجع العلم بصورة عامة وعلم الطب بصورة خاصة . وقد أكد القرآن الكريم وهو المصدر الأول للمسلمين فى كل علوم الحياة على مزاولة علم الطب ، وعلم التشريح أحد فروع علوم الطب ، قال تعالى :- { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } (3) وقال تعالى { فلينظر الإنسان مم خُلق ، خُلق من مآء دافق يخرج من بين الصُلب والترائب } (4) وفى هذا المعنى يورد "ابن رشد" فى كتابه "الجسم" أن الشريعة تحض على التأمل العقلاني فى الكائنات والموجودات ، كما تحض على السعي إلى معرفة هذه الكائنات بالعقل وهذه ظاهرة فى أكثر من آية من آيات القرآن الكريم (5) .
وهذا ما أكده أغلب علماء المسلمين وسأذكر بعض آراء فقهاء المسلمين الذين اهتموا بدراسة الإنسان ، وما تحويه من أمور علمية غامضة .
فهذا " ابن قيم الجوزية " نجده يقف عند قولة تعالى : { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } (6) متأملا ًقدرة الله تعالى فى الإنسان فيدفعة هذا التأمل إلى وصف أعضاء جسم الإنسان وصفاً دقيقاً فى كتابه " البيان فى أقسام الإنسان " مما يدل على مشاهدة أعضاء الإنسان الباطنية مشاهدة عينية ، فمثلا ً يقول :-فى الأذن صدفة فيها انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته ، فلا يصدمها وهلة ًواحدة فيؤذيها ، وأيضاً لئلا يفاجئها الداخل إليها من الدبيب والحشرات ، بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الأنعطافات وقف هناك فسهل إخراجة (7) .
ومن قوله فى الأنف على الإنسان أن يستنشق بالمنخرين فيستغنى بهم عن فتح الفم . وذلك لان للأنف عملا ً فى كسر حدة الهواء ، ويوضح كيف يدخل الهواء ، من المنخرين وينكسر برده هناك ، ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة والى القلب ، فيروح عن الحرارة الغريزية التى فية . ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقصى أطراف البدن (8) .
يقول عن المريء إنه موضوع خلف الحلقوم وينتهي فى ذهابه إلى متسع هوة المعدة وفمها هو المستهدف ويسمونة الفؤاد (9) . وينتهي متجه قعرها إلى منفذ هو باب المعدة وبوابها . ويذكر الأمعاء والمصارين فيقول إنها جمع مُصران بضم الميم وهو جمع مصير ويسمى مصيرً لمصير الغذاء إليه والسفلى يقال له الافتاب الأمعاء الغليظة ، والعلوي أرق من السفلى وأما الرقا ق فيسمى الإثنى عشر ، لأن مساحته اثنا عشر إصبعا ً(10) فيعرفنا عن سبب هذه التسمية ،ثم يقول : ويلي الإثنى عشر الصائم وسمي بذلك لقلة لبث الطعام فيه ويسترسل فى حديثه عن المعدة والأجزاء المجاورة لها (11) .
لقد بحث "ابن قيم الجوزية" فى شيب الشعر بحثا ً جديرا ً بالاهتمام ويذكر فى صدد الشعر وجود ارتباط بين الشعر وبين الخصية وإنه إذا تعطلت تعطل شعر الّّّلحية فيشير بذلك إلى عمل الغدد الصم بالهرمونات ، ذلك العمل الذي أصبح الركن الأساسي فى فن المعالجة اليوم على أن "الجاحظ" سبقه فى هذا المضمار (12) .
وقام "ابن قيم الجوزية" فى كتاب "تحفة المورود فى أحكام المولود" بشرح كيفية تشكيل الجنين بأطوار متعاقبة بشكل يضاهى فى دقته الأبحاث المتأخرة فى هذا المضمار (13) .
فهو يذكر تشكيلة العلقة ثم المضغة ، ويصف العلقة على أنها قطعة سوداء تمكث أربعين يوما ويصف المضغة على أنها قطعة لحم تمكث أربعين يوماً تقدر فيها أعضاء الجنين وصورته وشكله وهيأته . ويورد أيضاً فى كتابه السابق كيفية تشكيل المفاصل والأعضاء والعظام والعروق والأعصاب ، وأجهزة السمع والبصر ، وكيفية فتق الأعضاء بعد أن تكون رتقاً ، ويركب اللّسان ، ويخطط شكل الجنين وصورته وتكسى العظام باللّحم ويربط بعضها ببعض أحكم ربط وأقواه ، وهو حبل الأسر الذى جاء فى قوله تعالى { نَحنُ خَلَقِنَاهُم وَشَدَدنَا أَسرَهُم وإذا شِئنَا بَدٌلنَا أَمثاَلَهُم تَبديلا ً} (14) . وصف الأغشية الجنينية فيقول :- بأن وجود الجنين ضمن الحجاب ، أى الأغشية الجنينية ، وأن يتغذى من الدم المجتمع من المرأة وينزل إلى الرحم ، وهذا ما يعبر عنه حالياً بالحبل السري (15) .
كذلك يقول الطبيب الفقيه "ابن رشد" إن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها ، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم ، وكانت المعرفة بالصانع أتم ، وكان الشرع قد ندب إلى اعتبارا لموجودات وحث على ذلك ، فبين أن ما يدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع وإما مندوب إليه (16) . وكما أشار فى كتابه الكليات إلى أهمية ممارسة المنهج التجريبي فى الوصول إلى الأحكام الكلية ،والأقاويل العامة فى الطب ، فيقول :- فإن الذى تنقصه التجربة يعوقة ذلك عن الكمال فى هذا العلم التطبيقي (17) كما إنه بين ضرورة الاعتماد على المشاهدة والتجربة ، وعلى الإلمام بكل ما وصل إليه العلم التطبيقي بمعرفة التشريح ، ووظائف الأعضاء والأنسجة وارتباطها والعظام وهندستها والعظلات وأوتارها . والقلب وتركيبه والكبد والدماغ وغيرها من أعضاء الإنسان . ويقول إن معرفة الأعضاء بالتشريح تقرب من الله (18) . وبين أن مركز التصور أو التخيل فى مقدم الدماغ ومركز الذاكرة والحفظ فى مؤخره ومركز التفكير والرأي فى وسطه (19) . ووصف بدقة الدوران الدموي الشعري فى الكبد وطريق هضم الأكل وامتصاصه (20) .
كما تحدث الفخري عن السمع والبصر في كتابه الباحث مما يوضح مدي إدراكه الواسع لعلم التشريح والفسيولوجيا ( علم وظائف الأعضاء ) فـيقول عن البصرهو قوة مرتبة فى العصبة المجوفة تدرك صورة ما ينطبع فى الرطوبة الجليدية (الصحيح الشبكية) من الأجسام ذوات اللون المتأدية فى الأجسام الشفافة (القرنية والعدسة) بالفعل إلى سطوح الأجسام الصقلية (21)
.كما وأن الإمام " الغزالي" قد أولي بدلوه فى هذا الموضوع ، فصرح بعلم التشريح ، فى كتابه "الحكمة فى مخلوقات الله" بقوله انظر كيف جعل الله خلق الرأس مركبا ً من خمسة ًوخمسين عظماً مختلفة الأشكال والصور ، وألف بعضها إلى بعض بحيث استوت كرة الرأس كما ترى ، فمنها ستة تختص بالقحف وأربعة وعشرون للحى الأعلى ، واثنان للحى الأسفل والبقية من الأسنان بعضها عريض يصلح للطحن وبعضها حاد يصلح للقطع ، ثم جعل الرقبة مركز الرأس .مركب من سبع خرزات مجوفات مستديرات وزيادات ونقصان لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر الحكمة فيها ، ثم ركب الرقبة على الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربعة وعشرين خرزة وعظم العجز ،ثلاثة أخرى مختلفة ووصل به من أسفل عظم العصعص وهو مؤلف من ثلاثة أخرى ، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام اليدين وعظام العانة وعظام العجز وعظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين ، فجعل عدد العظام فى بدن الإنسان مائتين وثمانية وأربعين عظماً سوى العظام الصغيرة التي حشي بها خلل المفاصل (22) .
وقال فى العضلات :- هى لتحريك العظام عددها خمسمائة وتسع وعشرون عضله ، والعضلة مركبه من لحم وعصب ورباط وأغشية ، وهى مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وحاجاتها ، فأربع وعشرون منها لحركة العين وأجفانها بحيث لو نقصت منها واحدة اختل أمر العين ،وهكذا لكل عضو عضلات بعدد يخصه وقدر يوافقه (23) .
كما تحدث المتحدثون من علم التشريح فمثلاً قال "ابن حجر العسقلانى" فى كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، زعم كثير من أهل التشريح أن منى الرجل لا أثرله فى الولد إلا فى عقده و أنه إنما يتكون من دم الحيض إلا أن أحاديث تبطل ذلك . فمثل ورداً حديث عن" أبى عبد الرحمان عبد الله بن مسعود رضي الله تعالي عنه " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن أحدكم يجمع خلقة فى بطن أمه أربعين يوماً يوما ثم يكون علقة* مثل ذلك ، ثم يكون مضغة *مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح (24) .
وفى قوله تعالى :- {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } (25) . فسر طائفة من السلف كلمة "أمشاج" النطفة (26) . بالعروق التى فيها ،،، فقال " ابن مسعود رضي الله عنه " أمشاجها عروقها ، وقد ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك . قالوا إ ن المنى إذا وقع فى الرحم حصل له زبدية ورغوه (24) . ستة أيام أو سبعة أيام ثم فى اليوم الخامس عشر ينفذ الدم إلى الجميع فيصير علقة ،ثم تتميز الأعضاء تميزاً ظاهراً فى بعض ويختفي فى بعض (28) .
وقد فسروا قوله تعالى { فى ظلمات ثلاث } (29) . بأن المراد ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم وظلمة البطن . فالمشيمة فى الرحم ، والرحم فى البطن .
أكد الشيخ شمس الدين ابن القيم أن داخل الرحم خشن كالإسفنج وجعل فيه قبولا للمنى يمسكه وتشتمل عليه ، ولا يزلقه بل ينضم عليه لئلا يفسده الهواء فيأذن الله الملك الرحم فى عقده وطبخه أربعين يوما ً وفى تلك الأربعين يجمع خلقه :- قالوا إن المنىّ إذا اشتمل عليه الرحم ولم يقذفه استدار على نفسه واشتد إلى تمام ستة أيام فينقط فيه ثلاث نقط فى مواضع القلب والدماغ والكبد ، ثم يظهر فيما بين تلك النقط خطوط خمسة إلى تمام ثلاثة أيام ، ثم تنفد الدموية فيه إلى أثنى عشر يوما ً ، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين ، والأطراف عن الضلوع ، والبطن عن الجنين فى تسعة أيام (27) . ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس فى أربعة أيام فيكمل أربعين يوما ً فهذا معنى لقوله صلى الله عليه وسلم (( إن أحدكم يجمع خلقة فى بطن أمة أربعين يوما ً )) (30) .
وفى سؤال لابن حنيفة عن الأعضاء ، فأجاب عنه جعفر رضي الله عنه قائلا ً ) هما قسمان ، بسيط ومركب ، فالبسيط كالعظم ، والعصب والعروق ، المركب كالرأس ، واليدين والرجلين . ومن الأعضاء ، أعضاء رئيسية وأعضاء مرؤوسة ، وأعضاء ليست برئيسة و لا مرؤوسة ، فالرئيسة أربعة ،،، الدماغ والقلب والكبد والأنثيان ، والمرؤوسة :- ما يخدم هذه الرئيسة وذلك أن الدماغ يخدمة العصب ، والقلب خدمة الشرايين والكبد يخدمة العروق ، أنثيان يخدمها أوعيه المنى وما ليس برئيس ولا خادم كالعظام والغضاريف والشحم واللحم والأعضاء التى لها قوى رئيسة كالمعدة والكلى )(31) .
ولقد ذكر الإمام الفراقي فى كتابه " الفروق " أن الأعور الذى ذهبت إحدى عينية إذا اعتدى شخص على عينة الباقية فأن فى ذلك دية كاملة "وهى دية العين " ويستشهد على ذلك بعلم التشريح للاستدلال على صحة ما ذهب إليه من أن العين الذاهبة يرجع ضؤ للباقية لان مجراها فى النور واحد كما يشهد به علم التشريح (32) . أما الإمام " النووي" فقد ذكر أن المنيّ طاهر ، خالف بذلك ما ذكره "الإمام مالك" " والإمام أبو حنيفة " قالا بأن المنى نجس لأنه يخرج من مخرج البول . حيث قام بشق ذكر الرجل أى " قضيبه " فوجد أن مجراهما مختلف (33) .
وفى هذا قال أيضا ً الشيخ " أبو حامد الغزالي " ولقد ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة لأن ملاقاة النجاسة فى الباطن لا تؤثر وإنما تؤثر ملاقاتها فى الظاهر (34) .
* الفتاوى الواردة فى التشريح *

لم يرد نص يحرم أو يحلل تشريح جثة الإنسان ، وذلك لأن دراسة التشريح لم تكن شائعة أو أمرا ً ملحا ً ومطلوبا ً فى عهد " النبي صلى الله عليه وسلم " وعند الفقهاء فى صدر الإسلام وذلك لم ينقل عنهم فى ذلك حكم خاص .
وقد أقتدي علماء وفقهاء المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ، حيث أفتوا باستخراج الجنين الحي من بطن الأم ، كما سمحوا باستخراج مالٍ أو نقودًٍ بأحشائه .
من المسائل التى ذكرت فى كتبهم مايلى :-
ورد فى كتاب " رد المختار على الدٌر المختارة" لابن عابدين وهو من الأئمة الحنفية أن حاملاً ماتت وولدها حي " يضطرب " أى فى بطنها، فهنا يحق شق بطنها وإخراج جنينها . أو كان الأمر بالعكس وخيف على الأم من الهلاك ، فأمر بقطع الجنين واستخراجه منها (35) . وكذلك لو أحد بلع مال غيره فيمكن الشق عليه (36) .وقد وافقه فى ذلك أئمة المالكية . فقد جاء فى متن " شرح خليل " فى باب الجنائز قوله إجازة شق بطن حامل ماتت وفى بطنها جنين حي ، أو بقربطن عن مال كثر ثبت بالبينة.كما واتفق العلماء فى كتبهم فى أجازة شق بطن الإنسان الميت في خلاف ما ذكرنا ً (37) .
ونستنتج من ذلك أنه لا يوجد أى نص صريح فى القرآن الكريم ينص على تحريم تشريح جثة الميت بعد الوفاة لأغراض علمية ، ولكن وردت نصوص صريحة باحترام وتقديس جثة الميت كاحترامها فى حياته ،وعدم التمثيل بها ، وعدم إهانتها والمساس بها ، حيث كرم الله أبن آدم فى قوله تعالى { ولقد كرمنا بنى آدم } (38) . وفى قوله صلي الله عليه وسلم " إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور " (39) . وقوله " وكسر عظم الميت ككسر عظم الحي " (40) .
وما نحن بصدده من أغراض التشريح لجثة الميت ، فيختلف كثيرا ً عن معنى التمثيل بالميت ، هو التنكيل والتشهير به أو إهانته ،أما المقصود من عملية التشريح لجثة الميت ، فهو تكريم الإنسان ، وتأكيد عظمة " الله عز وجل " بل هو امتداد لفهم الإيمان بالله .
ولهذا سمح علماء المسلمين بالتشريح للأسباب التالية :-
1- المحافظة على الإنسان من الأوبئة والأمراض التى تفتك به فى هذه الحياة وذلك بدراسة أسباب الأمراض التى يمكن أن تؤثر على حياة الإنسان وتشريحها ، وخاصة الأمراض الوراثية .
2- فهم تركيب جسم الإنسان ، وربط هذا التركيب بوظائف الأعضاء ، وقد قال " ابن رشد من يعمل بالتشريح يزداد إيمانا ً(41) .
3- قد يتشابه عملان ظاهريا ً ، ولكن أحد العملين يعاقب عليه فاعله ، وينكر عليه ذلك فى حين يثاب على الآخر ويعتبر طاعة لله . فمثلا ً عملية السجود الواحدة ، قد تكون كفرا ً عندما تكون لصنم ، وتكون طاعة إذا كانت لله إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ً ما نوى . فالأصل فى العمل إذا هو النية .
وهذا يعنى أن عملية التشريح تكون حلالا ً أو حراما ً على حسب النية التى تقوم لأجله .
4- كذلك مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .لأن تعلم الطب واجب . ولا يتم هذا إلا بتعلم علم التشريح (42) . وهو علم تركيب جسم الإنسان الذى يساعد على تفهم وظائف أعضائة وهذا لا يتم إلا بالتشريح لجسم الميت ، كما أن الكشف عن مرض غامض ، يكون له انعكاسات سيئة على الأحياء لا يتم إلا بتشريح الميت ومعرفة السبب الحقيقي . هذا بالإضافة إلى كشف الجرائم الغامضة وأسباب الوفاة .












قائمة المصادر
(1) الحاج قاسم ، محمد : الموجز لما أضافه الأطباء العرب – دار الكتب – الوصل العدد 9 –( الوصل ، 1972) ص 7 – 8 .
(2) البستاني : دائرة المعارف 6 / 133 .
(3) سورة المؤمنين ، الآية (12) .
(4) سورة الطارق ، (4-7) .
(5) تاتون موسوعة تاريخ العلوم ، ص 437.
(6) سورة المؤمنين الآية (2).
(7) البيان فى أقسام القرآن – صححه طه يوسف شاهين ( القاهرة ، بدون تاريخ ) ص274.
(8) المصدر نفسه ، ص 275.
(9) المصدر نفسه ، ص 277.
(10) ويرشدنا بذلك إلى خطأ اجتهاد بعضهم فى كلمة الاثنى عشر كلمة وعدم تتبعها لقواعد الإعراب فيفقدنا فائدة لا يقدرها إلا من عانى لغة الطب اليوم – الشطي :- تاريخ الطب وآدابه وأعلامه ص 414 (11) ابن القيم الجوزية : المصدر نفسه ، ص 275.
(11) ابن القيم المصدر السابق (89) .
(12) المصدر السابق ص (89) انظر كذلك الشطي تاريخ الطب ص 416 .
(13) السبع ، محمد مروان : الآراء العلمية لابن قيم الجوزية فى النسل والجنين والمواليد – أبحاث الجمعية السورية لتاريخ العلوم ( جامعة حلب 0-1980) ص 97 .
(14) سورة الإنسان ، الآية (28).
(15) المرجع السابق ص (97) .
(16) فلسفة ابن رشد – دار الأفاق الجديد (بيروت ، 1978) ص 113
(17) ابن رشد: الكليات فى الطب – تحقيق سعد شيبان ، عمار الطالبى ، دار المجلس الأعلى للثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة . 1989) ص 6
(18) المصدر نفسه ، ص 6
(19) ابن رشد : المصدر السابق . ص 145، اتفق هذا الرأي مع أبو البركات البغدادي ، هبة الله بن على بن ملكا : فى كتاب المعتبر جمعية دائرة المعارف العثمانية (حيدر أباد الدكن ،1358هـ ،2 /262
(20) ابن رشد : المصدر نفسه ، ص40
(21) الفخري ، أبو عبد الله محمد : الباحث الشرقية-2/287
(22) الغزالي ، أبو حامد محمد : مطبعة مصطفى الباني الحلبي (مصر . 1934م) ص22
(23) المصدر السابق ص 24
(24) العسقلانى ، الحافظ شهاب الدين أبى الفضل : فتح الباري شرح البخاري – مطبعة مصطفى الألبانى الحلبي ( مصر ، 1959) 14 /279
علقة : قطعة من دم مضغة : قطعة من لحم .
ويقول " ابن حنبل" فى هذا الحديث يدل على أنه يتقلب فى مائه وعشرين يوما ً فى ثلاثة أطوار فى كل أربعين يوما ً منها يكون فى طور ، فيكون فى الأربعين الأولى نطفة وفى الأربعين الثانية علقة وفى الأربعين الثالثة مضغة ، ثم بعد ألمائه وعشرين يوماً ينفخ فيه الملك الروح ويكتب له هذه الأربع الكلمات { رزقه . وأجله . عمله شقي أم سعيد } وقد ذكر الله تعالى العديد من الآيات فى هذا تؤكد ذلك مختلفة من القرآن توضح تكوين الجنين وتقلبه فى هذه الأطوار كقوله تعالى :- { والله خلقكم من ترابٍ ثم من نطفةٍ ثم جعلكم أزواجا } سورة فاطر الآية (10)ً وفى قوله تعالى :- { لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه
نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغه فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك أحسن الخالقين } سورة المؤمنين ، الآية 14 .
أنظر ابن حنبل ، شهاب بن أحمد : جامع العلوم ، مطبعة مصطفى الالبانى الحلبي ( مصر، 1346هـ) ص 33
الحبلى : جامع العلوم ، ص 35
(1) سورة : الإنسان(2)
(2) النطفة : المنى وأصلة الماء الصافي القليل فتح البارئ ص 279
(3) رغوة البن مثلثه ورغاوته ورغايته مضمومتين ويكسران زبده ،معجم الوسيط 1 مادة الراء الغين / 435
(4) الحنبلي : المصدر السابق ص 35
(5) سورة الزمر الآية (3)
(6) وقال أول ما يخلق منه السره لان حاجته من الغذاء أشد من حاجته إلى إلانة قواه فمن السره ينبعث الغذاء والجب التى على الجنين فى السره كأنها مربوط بعضها ببعض و السره فى وسطها ، ومنها يتنفس الجنين ويتربى وينجذب ، العسقلانى فتح البارئ ج 14 ص 286-287
(7) ابن حيان ، التوحيدي : البصائر والدخائر – تحقيق إبراهيم الكيلانى – مكتبة أطلس ومطبعة للإنشاء (دمشق ، د-ت ) 2 / 542
(8) القرانى ، شهاب الدين الصنهاجى القرانى : الفروق – دار المعرفة ( بيروت ، د-ت ) 4 / 191
(9) النووي ،أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي : المجموعة فى شرح المهذب تحقيق محمد نجيب المطيعى ( د-ت ، د-م) 4 ،508
(10) قد ثبت علميا ً إن مجرى المنى منفصل أولا ً عن مجرى البول ثم يلتقيان فى مجرى البول ، هذا بالنسبة للرجل . وأما بالنسبة للمرآة فأن مجرى البول مستقل وله فتحة خاصة أعلى فتحة المهبل " الفرج " والمهبل يجرى أسفل القناة البولية ليس بينها اتصال إلا فى حالات مرضية نادرة يلزمها العلاج ، ألباز :-تشريح عند المسلمين ص 26
(11) ابن عابدين :-رد المختار – دار الطباعة المصرية ( القاهرة ، 1372 هـ )6021
(12) الخرشى ، أبو عبد الله بن محمد : المطبعة العلمية ( القاهرة ، 1299 هـ ) 2 /49
(13) قال صاحب المغنى : إ ن بلع الميت مالا ً ، فأن كان يسير تُرك وإن كان كثير القيمة شق بطنه وأُخرج ، لان فيه حفظ المال من الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه أى مرض الموت ، أنظر الحنبلي . ابن قدامة بن حزم : الشرح الكبير ، مطبعة المنارة ( القاهرة 1346 هـ ) 2: 314 ، وكذلك جاء فى شرح المهذب ، أن ابتلع الميت جوهرة لغيرة ، وطالب بها صاحبها ، يشق جوفه وتُرد الجوهرة . وقوله وأن ماتت امرأة وفى جوفها جنين حي يشق بطنها لأنه استبقاء حي ، أنظر النووي : المجموع فى شرح المهذب ، مطبعة الإمام ( القاهرة ، 1344 هـ ) 5:-266 ، وكذلك جاء فى كتاب " المحلى " من بلع درهما ً أو دينار أو لؤلؤة شق بطنه عنها لصحة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ولا يجوز أن يجبر صاحب المال على أخذ غير عين ماله ، ما دام عين ماله ممكناً ، لان كل ذي حق أولى بحقه ، وقد قال " رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) ولا يجوز شق بطن الحي ، لان فيه قتله ولا ضرر فى ذلك على الميت ، ولا تعتدو مسألة 607 ولو ماتت امرأة حامل ، والولد حي يتحرك ، قد تجاوز ستة أشهر ، فأنه يُشق بطنها طولا ً ويُخرج الولد . يقول الله تعالى { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ومن تركه عمدا ً حتى يموت فهو قاتل نفس ، أنظر ابن حزم : فى المسألة 606 الطبعة الأميرية ( القاهرة ، 1349 هـ ) 5:- 166
(14) سورة الإسراء آية 17
(15) البخاري ، أبى عبد الله محمد صحيح البخاري – مطبعة الشعب (القاهرة ، 1970 ) 3:178


ابن حمزة الحسيني – البيان والتعريف فى أسباب ورود الحديث – مطبعة البهاء ( حلب ، 1329 هـ ) 1 /342
الكليات ، ص 6
المزيد من المعلومات فى هذا الموضوع أنظر مخلوف ، حسنين محمد ، فتاوى شرعية وبحوث إسلامية – القاهرة 1965 م 1 /167 .
















تاريخ علم التشريح عند أطباء العرب المسلمين
أعداد أ / زكية بالناصرالقعود جامعة قاريونس
يحاول الباحث هنا أن يهتم بجانب من التراث الطبي الإسلامي وهذا فى الحقيقة يعنى التاريخ له وللمرحلة التى نشأ فيها وإبراز الاكتشافات العلمية التى أسهم بها الأطباء المسلمون فى بناء الحضارة الإنسانية وتطور العلوم البشرية ، ولكن الباحث لا يُخفى خشيته من الخوض فى التاريخ العام للطب الإسلامي ومن تعداد مآثر الأطباء المسلمين ، لأن ذلك قد يوقعنا فى تكرار حقائق علمية أصبحت اليوم معلومات متعارف عليها . لذلك رأينا أن نقتصر على جانب واحد لم ينل حظه من الدرس ولم يعن به الدارسون عناية خاصة ونعنى به تاريخ علم التشريح عند المسلمين .
أولا ً الحديث عن هذا العلم نحاول أن نلقى الضوء على التطور التاريخي لعلم التشريح عند العرب المسلمين وما أنجزته العقلية العربية فى هذا الحقل فى الحقبة التاريخية التى تبدأ من القرن الثالث الهجري إلى القرن السابع الهجري إذا لم ينل هذا الموضوع ما يستحقه من عناية واهتمام كبيرين من قبل الباحثين فى التاريخ الحضاري العربي الإسلامي فى قرونه المتعاقبة الطويلة .
وإذا كانت جمهرة منهم قد كشف أطرافا ًمعينة من هذه العلوم فإن بعض جوانبها ما زال غامضا لم يسجل تسجيلا كاملا أو يكاد ومن هذا تجئ أهمية هذا البحث الذى بين أيدينا .
إذ يحاول الباحث أن يستقصى بروح علمية وأكاديمية مجتهدة فى الوصول إلى أعماق هذا التاريخ وأصوله لبيان دور العرب المسلمين الفعال فى اكتشافاتهم وتطورهم وأثرهم الكبير فى النهضة العلمية على العلم وفى العصور الوسطي .
تعريف علم التشريح :-
ويًعرف علم التشريح بأنه :- علم باحث عن كيفية أجزاء البدن وترتيبها من العروق والأعصاب والغضاريف والعظام واللحم وغيرها من أحوال كل عضو (1) وجاء فى " المعجم الوسيط " بأنه العلم الذى يبحث فى تركيب الأجسام العضوية بتقطيعها وفحصها (2) وفى " معجم المنجد الأبجدي " أنه العلم الذى يدرس تقطيع جثة الميت والبحث والوقوف على كيفية تركيبها وما فيها من علل (3) .
ومن هذا نلاحظ أن مادة (شرح) فى معاجم اللغة قد تطورت مدلولاتها من مجرد كلمة ينطقها العامة ، كما فى معاجم اللغة القديمة ، إلى مصطلح له دلالة علمية . وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على تقدم العرب فى ميدان الطب والجراحة .
وأما علم التشريح فى المعاجم المتخصصة فقد عرفه :- كتاب Traite d anatomie بأنه العلم الذى يهتم بدراسة تكوين الكائنات المركبة وعلم التشريح البشرى ، هو الشعبة التى تهتم بدراسة جسم الإنسان (4) .
ويقول " فير سال " فى تمهيده لكتاب " دوفيركا " أن علم التشريح يجب أن يكون القاعدة الوحيدة على الإطلاق لكل فنون الطب وعمدتها الأساسية (5) .
أما أقسام علم التشريح :-
يمكننا تصنيف علم التشريح وميادين ممارسته إلى ثلاثة أصناف هى :-
1- علم التشريح البياني أو الو صفى :-وهو العلم الذى يهتم بدراسة مختلف الأعضاء و الأجهزة التى يتركب منها جسم الإنسان . وهو أكبر شعب هذا العلم وأوسعها .
2- علم التشريح الخارجي :- وهو العلم الذى يعنى بدراسة علاقة الأعضاء فيما بينها وأقسامها أو انعكاسها على الهيكل العظمى .
3- علم التشريح المقارن :-وهو العلم الذى يعنى بدراسة التحولات المتتالية التى تحدث فى الكائنات الحية والاختلافات الموجودة بينها من ناحية تركيب الأعضاء المكونة للأجهزة من ناحية أخرى .
ومع تطور العلوم ظهرت التخصصات الدقيقة الأخرى فمنها :-
أ‌- علم التشريح البنيوى أو النسيجي : وهو العلم الذى يدرس التكوين الدقيق لمختلف الأعضاء وأنسجتها .
ب‌- علم التشريح غير العادي : ويضمن دراسة تشريح العاهات الخلقية (6) .
أغراض التشريح :- هناك عدة أغراض يتم من أجلها علم التشريح وهى :-
1- الغرض التعليمي .
2- غرض تشخيص الأمراض .
3- غرض الكشف عن سبب الوفاة .
من أغراض التشريح كذلك معرفة أسباب الوفاة المشتبه فيها . مثل حوادث القتل أو التسمم أوغيرها من الأسباب . ولمعرفة سبب الوفاة يُكلف الطبيب بتشريح الجثة للوقوف على السبب الحقيقي للوفاة (7) .
التشريح عند الشعوب القديمة :-
أثبتت الاكتشافات الأثرية سواءً فى بلدان الشرق أم الغرب أن الشعوب القديمة كانت على معرفة بعلم التشريح ، إذ تعد عملية التحنيط أول عمل تشريحي للميت ،يقوم به الإنسان ، على الرغم من أن عملية التحنيط هذه عملية تشريحية إلا أن لم يقصد منها المشاهدة والتمعن والتفكير فى تركيب جسم الإنسان وأعضائه واستخلاص الملاحظة من ذلك ، وربطها بعلم الطب ، إنما كانت تقام لمجرد حفظ جسم الإنسان لأهداف ومعتقدات دينيه محضة (8) .
ويعد المصريون أول من أجرى عملية تشريح لجثة الميت ، إذ أزالوا أعضاءه الداخلية ، ما عدا القلب ، الذى كانوا يضنونه مركز الحياة وذلك من أجل تحنيطه وحفظه ، كما يشاهد فى الموميات (9) فلقد أورد المؤرخ " ماينتون " وأيده " بلين " أن ملوك الأسرة الأولى "الفرعونية " وجهوا عنايتهم إلى عمليات التشريح وطرق استعمالها والإمعان والتفنن غيها ، رغبة فى المستكشفات الطبية الدقيقة ، وترويجا ًلقواعد التحنيط ، وغرس احترامه فى النفوس لحماية المشتغلين به . ونستدل من ذلك أن فتح الجثة المحنطة لم يكن جريمة يعاقب عليها ، كما تعتبر وسيلة علمية من جهة ، ومن جهة أخرى تقوم بواجب التعظيم لمن تحنط أجسامهم على سبيل التكريم (10) . ومما يشهد على ممارسة التشريح عند المصريين كذلك تأليف كتاب فى التشريح فى عهد الملك الفرعوني " تناخوا " وجددت كتابته فى عهد الملك الفرعوني " رمسيس الثاني " ( 15ق – م ) (11) .
أما البابليون فقد عرفوا التشريح سواء أكان على الإنسان أم الحيوان ، إلا انه كان يقوم على أسس بدائية غير صحيحة (12) . وذلك من خلال معرفتهم لبعض أعضاء الجسم الداخلية نتيجة تقطيعهم للحيوانات التى كانت تذبح إرضاءً للإله، أو لإطعام الناس ، أو نتيجة للحروب التى كانت تسفر عن مقتل عدد من الجند والناس فيعمدون إلى تشريحهم ( 13) .
وفى اليونان برز عدد من الأطباء الذين قاموا بدراسة الطب على أسس علم التشريح فمنهم " أرسطو " الذى اعتمد فى آرائه التشريحية على أسلوب التشريح المقارن . لأنه كان متعمقا ً فى دراسة جسم الحيوان ، واستمر التشريح بعده زمنا ً طويلاً على الحال الذى تركه عليه أرسطو فلم يسهم من جاء بعده فى تطويره (14) . وفى العصر الهليستنى تقدم علم الطب بسرعة نظرا ً للحاجة الماسة لمعالجة الأمراض الطارئة ، التى كثرت فى المجتمعات التى تسودها حياة المدن . وقد شجع البطالمة الدراسات الطبية فى مدرسة الإسكندرية فلقد سمحوا بتشريح الحيوانات والجثث الإنسانية وأكثر من ذلك فقد كانوا يسلمون كبار المجرمين إلى الأطباء لكي يشرحوهم وهم أحياء ، هذا التشجيع جعل من التشريح علما ً مستقلا ً بذاته ، وأنهى عصر الغموض والخرافات التى كانت مقبولة من قبل أرسطو فى عام ( 285 ق –م ) (15) . لقد كان العصر الأسكندري عصر نهضة وبداية حقيقية للتشريح وأول الأسماء المشهورة التى تقابلنا فى مجال التشريح منهم من هذا العصر . هيروفيل IHerophie وآرسيسترات Erasistrate قاما بتأسيس مدرستين متنافستين بالطبع ، ولكنهما موجهتان بنفس المبادئ ونفس الأساليب ، المتمشية مع مبادئ العلم الأسكندري إذ كان اهتمامهما منصبا على معرفة جسم الإنسان بدقة وعمل كل عضو فيه حتى يتمكن من التكيف مع الاستطباب فى كل حالة مرضية فلقد أنشأ الأول علم التشريح والثاني علم وظائف الأعضاء (16) .
و " جالينوس " الذى خطا بعلم التشريح خطوات واسعة فكان أول من قرر أن الشرايين فى الحيوان الحي تحتوى على دم لا على هواء ، كما زعم " ارازستراتوس " ولكن فاته أن يذكر دورة الدم فى الأوعية التى فحصها " أبن النفيس " بعد ذلك بقرون عديدة وكان الأطباء من قبل يزعمون أن الدم يدور فى الأوردة والشرايين من الداخل إلى الخارج على نسق واحد (17) .
عُرفت مؤلفات جالينوس باسم " منتخبات الاسكندرانيين" وهى جوامع لستة عشر كتابا ً ويقول :- أبو الفرج بن هندو فى كتابه " مفتاح الطب " أن هذه الكتب هى التى اتخذها الاسكندرانيون من كتب جالينوس وعملوا لها جوامع وزعموا أنها تُغنى عن متون كتب جالينوس (18) .
وظلت مؤلفات جالينوس أهم موسوعة طبية لفترة طويلة وفى الإسكندرية فى عصرها المتأخر فى القرن السادس الميلادي تخرج الطبيب الفيلسوف سرجيوس والطبيب إينيوس الآمدى وفى أول القرن السابع الميلادي كان هناك من الأطباء بولس الاجانيطى وإهرن وكان لكتب هؤلاء العلماء تأثيرا خطيرا فى دراسات العرب الأولى (19) . وفى السنة (22هـ/642 م )دخلت الجيوش الإسلامية إلى الإسكندرية بذلك تنتهي مرحلة العصر الهلينستى بمصر لتبدأ مرحلة أخرى للحضارة والعلوم وهى مرحلة الحضارة الإسلامية .
التشريح عند العرب والمسلمين
أولا التشريح عند العرب قديما ً:-
عرف علم التشريح منذ وقت مبكر ومن الدلائل التى تشير إلى ذلك :-
1 - مدرسة الأسكندرية :- حملت الأسكندرية مشعل الحضارة العلمية قرون عديدة ، وعلى الرغم من أنها امتداد للعصر الأغريقى فأن وطنها مصر ومقرّها الأسكندرية ، ولقد لعبت دورا ً مهما ً فى نقل التراث اليونانى إلى العرب ، حيث أمتزجت بها الحضارات الشرقية القديمة ( بابلية ، آشورية ، فارسية ، وفنيقيه ) ونتج عن ذلك انبثاق حضارة شرقية رائعة للعالم ، هذا وقد استفاد العرب من العلوم التى كانت موجوده فى هذه المدرسة أثناء النهضة العلمية . ومن بينها علم التشريح (20) .
2- عرف أطباء العرب قديما ً، من الأعضاء ما هو متشابه الأجزاء . وسموها الأعضاء البسيطة . و هى ما نعرفة اليوم بالأنسجة . وعرفوا الأعضاء المركبة مثل اليد التى تجمع عددا ًمن الأنسجة المختلفة ، وفرقوا بين الأعصاب الحركية والحسية ، وعرفوا الاوتار والاربطة والدماغ ، وفرقوا بين الأعصاب والأوتار فى مثل اصابات الرسغ . وهو تفريق مهم ولا يزال رأيهم فيه صحيحا ً (21) .
3- كما عرف الأطباء القدماء عن طريق التشريح وظائف الأعضاء فى جسم الإنسان ، وذكروا أن أجسام البشر تشتمل على سوائل مهمه جدا ً كالدم والبلغم والمخاط (22).
4- كما يبدو أن العرب كانت لديهم المبادئ التشريحية البسيطة خلال العهد الراشدى . ومما يدل على ذلك ما ذكره " ياقوت الحموي " فى أثناء حديثه عن حادثة اغتيال سيدنا " على رضى الله عنه " قال إنه لما جرح على ابن ابى طالب وجمع له الأطباء لما ضربه عبد الرحمان بن ملجم ، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السكونى الكوفى المعروف " بابن عُمريا" أخذ " أثير " رئة شاة حارة فتتبع عرقا ً فيها ، فاستخرجه وأدخله فى جرح الأمام على رضى الله عنه ثم نفخ فى العرق واستخرجه فإذا عليه بياض الدماغ ، إذ إن الضربه وصلت إلى أم الرأس (23).
هذا يدل على التمرس والدرايه الكافية باعضاء جسم الإنسان الداخلية التى تكون أكسبها عن طريق التشريح . كما لو نظرنا إلى فائدة الحجامة والفصد والعروق التى تفصد من الناحية التشريحية ، والتى مارسها العرب بشكل واسع منذ وقت مبكر ، لأدركنا أن الأطباء العرب كانت لهم بعض المعلومات الجيدة فى هذا المجال .فقد عرفوا منذ القديم عدد العروق المتواجدة فى جسم الإنسان والتى عادة ما تفيد لعلاج بعض الأمراض . ووصفوها وصفا ً جيدا ً ومن ذلك قوله ،،، القيفال والأكحل والباسليق ، وهو عند الرفق من البدن ناحية الإبط والقيفال(24) من الجانب الوحشي ويمشي إلى البدن ناحية الكف ، أما الأكحل فإنه شعبة متوسطة بين القيفال والباسليق وحبل الذراع ، وهو الزند االأعلى من اليدين ، والإسليم مكانة فى ظهر الكتف مع الخنصر والبنصر ، والصافن (25) مكانه على الكتف الأيسر .
أما عرق النسا فعند الكعب من الجانب الوحشى ، وعرق الجبهه وهو المنتصب فى وسط الجبهه. وهو عرق الغضب . والأخذعان العرقان اللذان يكونان على الصدغين والودجين والعنق وعرقان تحت اللسان هما الضفدعان ويسميان أيضاً الحالبين . أما منافعهما .فيفصد القيفال للمعدة لأنه يخفف الدم من فوق التراقى، وفصد الباسليق يفيد فى جذب الدم الردئ من الصدر والبطن ، وأما الاكحل جذب الدم من البطن ، وأما الاكحل منفعة للكلى والأرحام ، ومنفعة عرق النسا الورك إلى القدم . ومنفعة لأسليم الأيمن من الكبد والأيسر للحال، ومنفعة عرق الودجين من ضيق النفس ، أما تحت اللسان فللحوانيق ، أما عرق الجبهه فمن وجع العينين لاسيما إذا حدث من مرض صعب ، وأما الصدغان فللصداع والشقيقة (26) .
ثانيا ً علم التشريح فى المؤلفات العربية :-
أ‌- فى كتب اللغة :-اهتم اللغويون الاقدمون بموضوع الإنسان فألفوا الرسائل فى أسماء أعضائه وتبينوا الصفات المختلفة التى تعترى هذه الأعضاء واهتمامهم بالإنسان الذى ظهر من خلال تآليفهم اللغويه يشبه اهتمامهم بالحيوان . فقد ذكروا فى مؤلفاتهم الألفاظ الدالة على كل جزء صغير أو كبير فى جسم الإنسان وفى جسم الحيوان ، وربما سبقت عنايتهم بالحيوان على اختلاف أنواعة فى هذا الشكل من التأليف ، فقد ألفوا فى الحشرات ، وفى الخيل والابل والوحش . وكتب التراجم تشير إلى عدد مما كتب فى هذا المجال فمن ذلك ما نجده عند " أبى عبيدة " مثلا ً فى وصف جسم الحصان حيث يقول فى وصف عنقه عُرفه وشكيرةهوعُرشاه وعلباواه وصليفه ولد يداه ودايانه ونخاعه وخرزته ومذمره وخششاواه ومذمره ولباه ، وسالفاه ومذبحه وحجرته وشواربه وبلعومه ومريئه وقصرته وجرانه ودسيعه ولبانه . فإما عرفه فما نبت من الشعر أعلى عنقه ما بين منسجه وقذاله يقال للمعرف السبب ، وكما وصفوا الحارك والكتفين والصدر والقوائم الاماميه فى الخيل فقال فالحارك يسمى الغارب وتسميه العرب الكاهل ومركزه بين الظهر والعنق وهو ملتقى لوحتى الكتفين ومرتفع نتوءات بعض الفقرات الظهرية ، ويستحب فى الغارب أو لحارك بروزه أو أرتفاعه وشدته وخلوه من الدهن (27) .
ووصف علماء اللغة عظام القوائم التى لا ترى بالعين فى قولهم وعن الفصل الوظيف والرسغ والحافر . يتركب من ثلاثة عظام تسمى السلاميات متصلة ببعضها من الأعلى إلى الأسفل بمفاصل ، ويسمى السلامى الأول . والذى يليه السلامى الثانى والأخير السلامى الثالث ، السلاميات تقابل عظام الاصابع عند الإنسان . واتصالها يكون على الوجه التالى يصل الطرف العلوى من السلامى الأول ( وهو أعلى السلاميات ) بالوظيف من الأعلى ويسمى موضع اتصالها مفصل الزر . كما أن طرفه السفلى يتصل بالطرف العلوى من السلامى الثانى من الأسفل . ويسمى موضع اتصالها " مفصل الاكليل " ويتصل الطرف السفلى من السلامى الثانى بالطرف العلوى الثالث والعظم الزورفى من الخلف ويسمى موضع اتصالها مفصل التاجى . يتألف الرسغ من السلامى الأول وقسم من السلامى الثانى . أما القسم الثانى من السلامى الثالث كله فيكونان فى داخل علبة الحافر (28) .
وأول كتاب فى خلق الإنسان هو كتاب ابى مالك بن عمرو . ابن كركرة ثم تناوله النضر بن شميل 204 هـ وأبو عمرو الشيبانى 206 هـ ثم عرض الموضوع قطرب وهولقب محمد بن المستنير 206 هـ والمفضل بن سلمة 208 هـ وأبو عبيدة وهو معمر بن المثنى 210 هـ والأصمعى216هـ وأبو زيد الأنصارى 215 هـ وأبو زيد الكلابى 215 هـ وابو عثمان سعدان بن المبارك الضرير تلميذ أبى عبيدة . ونصر بن يوسف صاحب الكسائى . وأبن الاعرابى وأبو مسلم الشيبانى 245 هـ ومحمد بن حبيب 245 هـ وأبو حاتم السجستانى 255 هـ وأبو محمد ثابت بن أبى ثابت وراق أبى عبيدة وابن قتيبة 276 هـ والحسن بن عبد الله الكده (29) .
واستمر اللغويون فى التأليف بهذا الموضوع طوال القرن الرابع والقرن الخامس الهجريين والقرون المتأخرة . فقد كتب فيه أبو محمد القاسم بن الانبارى 304 هـ وأبو موسى الحامض 305 هـ وأبو إسحاق الزجاج 311 هـ وداوود بن الهيثم المتوفى306 هـ ومحمد بن أحمد الؤشاء 325 هـ ومحمد بن القاسم لانبارى 328 هـ وأبو على القالى 356 هـ وأحمد بن فارس 395 هـ والصغانى 650 هـ وآخرون كثيرون وربما كان آخر من كتب فى هذا الموضوع السيوطى الذى استوعب الكثير مما صنفه الأوائل ورتبه وسماه " غاية الاحسان فى خلق الإنسان " (30) . وللأسف فقد ضاع معظم هذه الصفات ولم يصل إلينا منها إلا القليل . ومن أول ما وصل إلينا منها كتاب الأصمعى " خلق الإنسان " الذى ينقسم إلى ثلاثة أقسام . مقدمة عرض فيها مسائل عامة كالولادة والحمل والسن ، ثم تناول الوصف العام للإنسان ، ثم فصل أجزاءه مبتدئا بالرأس حتى أخمس القدم ، مشيرا الى صفات الاعضاء ، ثم ختم موضوعه بخاتمة عرض فيها للاوصاف الخلقية و الخلقية العامة ، و اكثر فيه من الشواهد الشعرية و الأمثال . (31)
وخصص ابن قتيبة فصلين من كتابه "أدب الكاتب " لعيوب الانسان و أمراضه ، و الفروق بين الالفاظ التى يظنها الناس من باب المترادف مما يتعلق بخلق الانسان (32)
و لقد شغل موضوع "خلق الإنسان" السفر الأول و جزء مهم من السفر الثانى من " مخصص " ابن سيده و الذى سار فيه على نهج الأصمعى (33)
سأذكر فى هذا المقام بعض النماذج التى ذكرها ابو اسحاق الزجاج :
فى كتابه " خلق الإنسان " يبدو ان الزجاج قد أفاد من " الأصمعى " كما أفاد من غيره ، الا أنه لم يعن " كالأصمعى " بالشواهد الشعرية الكثيرة ، و قصر كتابه على موضوع خلق الأنسان فذكر الأبواب التى أغفلها الأصمعى وهى باب الأذن و صفاتها ، و باب الأست و باب الفرج كما جاء بفوائد أخرى لم تكن فى كتاب ، حيث ذكر الزجاج فى كتابه هذا مفردات تشريحية مما يدل على دراية العلماء العرب بهذا العلم و شيوعه بين عامتهم ، و ليس بين خاصتهم فقط فنجد الزجاج مثلا : يصف الرأس بقوله : أعلى الرأس كله يقال له القلة ، العلاوة و الذؤابة و اليافوخ ، و هو من الرأس الموضع الذى لا يلتئم من الصبى الا بعد سنين ، او لا يشتبك بعضه ببعض ، و هو حيث التقى عظم مقدم الرأس و مؤخرته و يسمى ذلك من الصبى الرماغة ، و يسميها بعض العرب النمعة ( الذمعة ) ، و عظم الرأس الذى فيه الدماغ يقا له: الجمجمة ، و فى الجمجمة القبائل و هى أربع قطع مشعوب بعضها ببعض و يقال لها : الشؤون و الواحد شأن ، و يقال : ان الدمع يجرى منها ، و هذه تسمى الغاذية ( الغدة ) و فى الرأس الفراش و هى العظام الرقاق يركب بعضها بعضا فى أعالى الأنف، و فى الرأس القمحدوة و هى الحرف الناشز فوق القفا ، خرف القمحدوة يقال له الفأس (34)
و قالوا فى بطن الإنسان " و فى البطن الكبد ، و فى البد الزائدة و هى قطيعة معلقة فيها الكبد ، و فى البد عمودها ، و هو المشرف فى وسطها ، و فى البد القصب و هى التى تتفرق فيها ، و فى البطن الطحال ، و هى لاصقة بالأضلاع مما يلى الجانب الأيسر ، و فى البطن المعدة ، و هى من الإنسان بمنزلة الكرش من الشاة، و هى أم الطعام ، و أول ما يقع الطعام فيها ، ثم تؤديه الى الأمعاء ، و فى البطن الحشى و هى جميع مواضع الطعام ، و فيه الأعفاج و الأفتاب و اليها يصير الطعام بعد المعدة و هى أسفل الأمعاء يسمى القصب و فى البطن الرئة و تسمى السحر، و فى البطن الحوايا، و هى اسم الجمع ما تحوى الأمعاء، أى استدارة و فى البطن ، الكليتان ، و الواحد كلية و فى الكليتين عرقان يقال لهما الحالبان . و فى البطن السرة و السرة هو ما تقطعه القابلة " ( 35)
مع أن هذه النصوص تدخل فى فقه اللغة، و المسميات التى وردت فى كتب اللغة لأجزاءالأنسان انما هى مسميات عربية خالية من العجمةإلا أن ورودها فى كتب اللغة بهذه الدقة و التفصيل الشديد دليل على معرفة العلماء بهذه الأجزاء، اذ لولا معرفتهم بها لما وجدت فى كتب اللغة .
مما يشهد على تلك المعرفة السابقة عند العرب الكثير من المسميات فهم عندما نقلوا عن غيرهم ، لم ينقلوا سوى الأسماء و المصطلحات التى لم يكونوا يعرفونها. فنقلوها باسمائها الأعجمية مثل الجغرافيا و الاسطرلاب ........الخ ، وهذا نظير ما حدث معنا فى العصر الحديث فقد نقلنا اسماء المخترعات عن غيرنا باسمائها الأجنبية، مثل تلفون و كمبيوتر و ماكرافون ،ان هذه المصطلحات قد عربت فيما بعد و بدأت تأخذ مكانها فى الاستخدام .هذا ما كان عليه العلماء المسلمون الذين نقلوا العلوم المختلفة من غيرهم من الأمم ، فقد ترجموا كل ما استطاعوا ترجمته ، و ما عجزوا عنه أبقوه بلغته الأصلية . من هنا دخل الكثير من المصطلحات و الأسماء الأجنبية الى اللسان العربى .
وكما نلاحظ ان معظم المعاجم التى تناولت كلمتى شرح و تشريح ركزت على مصطلحات التبين و الكشف و مشتقاتها ،أما ما يخص علم التشريح فقد ركزت على ما فيه من الفوائد الجمة لمن مارسه ، كان فى ذكر تلك الفوائد اعلانا عن مشروعية التشريح ، لأن علما له هذه المزايا يكون مباحا و ليس واجبا (36)
الأدب:
من أمثلة ما ورد فى كتب الأدب من مفردات تشريحية ما جاء فى حكايات " ألف ليلة و ليلة " فى قصة الجارية " تودد " التى عرضت على الخليفة "هارون الرشيد " بثمن باهظ ، لأنها تتصف بدرجة كبيرة من الذكاء الى جانب الجمال ، فأراد الرشيد امتحانها فكلف بذلك بعض العلماء ، و كان من بين الأسئلةالتى عرضت عليها أسئلة طبية تشريحية، فأجابت عن كيفية خلق الله الإنسان ، و كم فى جسده من عروق ، و كم عظمة فى فقراته و أين أول العروق ؟ خلق الله للإنسان سبعة أبواب فى رأسه ،وهى العينان حاسة البصر و الأذنان وهى حاسة السمع و المنخران و هى حاسة الشم و الفم حاسة الذوق و جعل اللسان ينطق بما فى ضمير الأنسان، و خلق فى الأنسان ثلاثمائة و ستين عرقا و مائتين و أربعين عظما .......و خلق له قلبا و طحالاو رئة و أمعاء........ و جعل الرئة مروحة للقلب ، و جعل الكبد فى الجانب الأيمن محاذية للقلب ، و خلق ما دون ذلك من الحجاب و الأمعاء و ركب ترائب الصدر و شبكها بالاضلاع .... و جعل فى الرأس ثلاثة بطون و هى تشتمل على خمس قوى تسمى الحواس الباطنية ، و هى الحس المشترك و الخيال و المتصرفة و الواهمية و الحافظة (37)
و مما كتب فى العلوم الطبية و بينها علم التشريح فى كتب الأدب ، مسرحية نثرية اسماها " القلقشندى " المفاخر بين العلوم ، قدمها قاضى القضاة شيخ الإسلام " جلال الدين البلقينى " ذكر فيها نيفا و سبعين علما ـشخص فيها هذه العلوم فى يوم المفاخرة بين العلوم المختلفة . و علم الطب أحد هذه العلوم .. فقد انبرى للقول بعد علم الموسيقا ، فهاجمه و بين بعض مثالبه ، ثم قال : و أنى تنبسط بك الروح مع وجود السقم ، أو يستريح اليك القلب مع شدة مقاساة الالم ، بل أنا قوام الأبدان و غاية ملاك الإنسان بى تحفظ الأجسام و تتمكن النفس من استكمال قوتها النظرية و العملية بواسطة زوال الأسقام ، و انتقاء الألأم، مع ما يتضح من التشريح الذى هو أحد أنواعى من سر قوله تعالى : و فى أنفسكم أفلا تبصرون (38) و ما يظهر من حالة الصحة و المرض و سر الموت .
و من الكتب الأدبية الفلسفية أيضا التى تناولت هذا الموضوع رسالة " حى بنى يقظان " التى شهدت لمؤلفها (39) ببراعة فى تشريح الأجسام الميتة و الحية للحيوانات لمعرفة موطن الحياة . فقام بتشريح ظبية ميتة ، حيث أخذ يقلب جسمها حتى وصل الكبد الذى عرفه بانه العضو الذى يكون فيه الغذاء ، ثم وصل الى الرئتين ، فأخذ يقلبهما حتى وصل الى موطن القلب ــ فرأى القلب ساكنا لا حركة فيه فشرحه فوجد فيه تجو يفين أثنين : أحدهما من الجهة اليمنى و الآخر من الجهة اليسرى ، و الذى من الجهة اليمنى مملوء بعلق منعقد ، و الذى من الجهة اليسرى قال : لا شئ فيه فقال : ربما يكون مطلبى ، فربما يكون مسكن الروح و لمعرفة ذلك قام بتشريح ظبية حية ، قام بتشريحها - كما نشرح اليوم الضفدعة فى المحتبرات المدرسية لنشاهد حركة قلبها – و كرر هذه العملية عدة مرات على الحيوانات التى كان يصطادها ، فوصل الى آلية عملية ، بها تسكن الروح ، بعد ان لاحظ خروج بحار أبيض من القلب ، فأصبح لديه يقين بان هذا البخار هو الروح (40 )
و هذه القصة و ان كانت أدبية فلسفية الا اننا نجد مؤلفها مارس التشريح فى عام (581 ه / 1185 م ) لمعرفة بعض الأشياء التى يجب أن يتعرف عليها
و من الكتب العلمية الأدبية التى تناولت علم التشريح كتاب " عجائب المخلوقات و غرائب الموجودات " للقزوينى حيث ورد فيه تشريح لجسم الأنسان عضوا عضوا ، فقد ذكر المؤلف فيه بالتفصيل و ظيفة العين و العصب البصرى و كيفية الإبصار و العضلات المحركة للعين و الجفون و الأهداب ، كما وصف وصفا تشريحيا للأنف و الأذن و الشفتين و الفم ، و تحدث عن الشعر و اللحية ، كما تحدث عن تشريح العنق و المرئ و القصبة الهوائية ، و تناول وظيفة القفص لصدرى و الاضلاع و اليدين و العمود الفقرى و الساقين . كما ذكر تشريح الأجزاء الداخلية فى جسم الأنسان ، ووصف الدماغ و القلب و الكبد و القناة الصفراوية و المرارة و المعدة و الكلية (41)
أما اللحم فهو جسم حار رطب فى كسو العظام ، فيستقيم الإنسان . و الشرايين جداول مضاعفة الجدران تنتشر فى كل الثرأب و هو الشحم الرقيق من حرارة المعدة و يسهل انبساطها عند امتلائها بالطعام . أما الجلد فهو جسم مركب من الأعصاب و الاربطة و الشعر و العروق . و الغضروف جسم يقع بين اللحم و العظم و يساعد فى الحركة و الاحتكاك .و هناك الأربطة التى تربط بين العظام ، و هى تشبه الأعصاب فى شكلها .
أما الشحم : فهو جسم حار لطيف فى أطراف العضلات و الأعصاب ، و الأوردة التى تشبه الشرايين و الغشاء الذى هو نسيج ليفى يحيط بكل الأعضاء الداخلية .
و المخ فهو جسم مناسب يتواجد فى تجويف العظام ، و هو الذى تطلق عليه اليوم علميا نقى العظام (42 )
هذه النصوص الأدبية الفلسفية و الأدبية العلمية ، تدل على معرفة الأدباء و العلماء المسلمين على اختلاف تخصصاتهم بعلم التشريح و ممارسته عند الحاجة اليه ، كما أن هذا الأمر يوضح لنا انه لم يكن من اختصاص الأطباء فقط ، بل أنه معروف لدى الخاص و العام من العلماء المسلمين . و أخيرا لا ننسى قول الفيلسوف المعرى : عجبى للطبيب يجحد بالخالق من بعد دراسة التشريح (43 )



قائمة الهوامش
(1) حاجى خليفة ، كشف الظنون ، دار المثنى ( بغداد ، د،ت ) 1 / 408
(2) أنيس مصطفى ، ابراهيم ، و أخرون : المعجم الوسيط ، دار الفكز (بيروت ، د – ت )1/ 480
(3) معجم المنجد الأبجدى ، دار الشرق (بيروت ، 1962 ) ص254
(4) كمى ، عبد المجيد : علم التشريح و الإسلام _رسالة ماجستير نوقشت بكلية الطب بجامعة محمد الحامس – الرباط (سنة 1986 لم تطبع )ص 16
(5) كمى ، المرجع نفسه ، ص 17
(6) كمى ، المرجع نفسه ص 12
(7) شافعى بك ، محمد زكى : دليل الطب الشرعى ، الجمعية المصرية للأصلاحات و الدعاية الصحية ( القاهرة ، د – ت ) ص 10
(8) شكر ، قناديل : موقف الدين من التشريح ، مجلة الدراسات ، تصدرعن ا لجامعة الاردنية ، مطبعة المتحدة – المجلد 6 عدد 1 (بيروت 1979 ) ص 12
(9) المرجع نفسه ، ص 14
(10) جبار ، و لويس ريمر : صفحات من تاريخ مصر الفرعونية – الطب و التحنيط فى عهد الفراعنة ، ترجمة : أنطوان ذكرى ، مكتبة مدبولى (القاهرة ، 1996 ) ص 37
(11) جرجى زيدان : تاريخ اللغة العربية من أقدم أزماتها الى النهضة العربية فى العصر العباسى – مجلة الهلال مطبعة التاليف ا لسنة الثانية ( بيروت ، 1895 ) 6 / 205
(12) عطيو، حربى ، عباس ،حسان حلاق : العلوم عند العرب أصولها و ملامحها الحضارية – دار النهضة العربية (بيروت ، 1995 ) ص 28
(13) حلاق حسان : مقدمة فى تاريخ العلوم و التكنولوجيا فى الشرق الادنى القديم ، ص 16 -17
(14) فروخ : تاريخ العلوم عند العرب ، ص 159
(15) عطيو : العلوم عند العرب ، ص 285
(16) العابد : برهان – مختارات من تاريخ الطب – مطبعة الاتحاد – دمشق 1990 ، ص 22
(17) بلدى : تمهيد لتاريخ الاسكندرية ، ص 40 = كذلك أنظر تاتون : موسوعة تاريخ العلوم العام ، ص 39
(18) بطرس البستانى : دائرة المعارف ، 6 / 134
(19) ابن أبىأصيبعة ، 2 / 238
(20) بدوى ، عبد الرحمن : دراسات و نصوص فى الفلسفة و العلوم عند العرب ، ص 149
(21) منتصر : تاريخ العلم ، ص 6 كذلك أنظر ، الشطى : تاريخ الطب و أعلامه ، ص 78
(22) حسين كامل : الموجز فى تاريخ الطب و الصيدلة عند العرب (الجامعة الليبية – بنغازى ) ص 44
(23) حلاق :حسين ، مقدمة فى تاريخ العلوم ، ص 21
(24) معجم البلدان ، 1 / 93
(25) ابن الازرق ، أبراهيم عبد الرحمن بو بكر : تسهيل المنافع فى الطب و الحكمة ، دار الجمل ( القاهرة ، 1972 ) ص 50
(26) أبى عبيدة : معمر بن المثنى – كتاب الخيل – بمطبعة- دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد (الهند ، 1358 ه ) ص 23 -24
(27) السامرائى ، أبراهيم : كتاب الآنسان للزجاج – مجلة المجمع العلمى العراقى – المجلد السابع (بغداد ، 1961 ) ص 107
(28) المرجع نفسه ، ص 108
(29) السامرائى : المرجع السابق ،ص 109
(30) المرجع نفسه ، ص 110
(31) الأرضروملى ، قدرى : الخيل العراب و فضلها على الأنسال العالمية – دار العربية ( بغداد ، دون تاريخ ) ص 45
(32) أدب الكاتب ، لابن قتيبة، تحقيق محمد محى الدين ، عبد الحميد ، دار السعادة ( القاهرة ، 1963 ) ص 101 – 120
(33) السامرائى : كتاب خلق الأنسان للزجاج ، ص 108
(34) كمى : علم التشريح و الاسلام ص 16
(35) الف ليلة و ليلة ، مطبعة مصطفى البانى ( القاهرة ، 1960 م ) 2 / 341
(36) سورة المؤمنين ، الأية 12
(37) صبح الأعشى فى صناعة الأنشا ، 14 / 211
(38) بن طفيل ، أبوبكر : تحقيق البير نصرى نادر ، دار الشرق ( بيروت ، 1986 ) ، ص 39 . انظر كدل داهش ، أنس على : ظواهر الحقائق العلمية فى رسالة حى بن يقظان لابن طفيل ، مجلة الموصل ، دار الكتب ، العدد الاول (الموصل . 1977 ) ص 52 =كذلك فروخ ،عبقرية العرب . ص 124
(39) القزوينى ، أبو عبيدة بن محمد : ضمن كتاب حياة الحيوان الكبرى ، لصاحبه كمال الدميرى ، دار الفكر (بيروت ،د ،ت )2 / 109 – 117 =أنظر كذلك كتاب البغدادى ، أسماعيل باشا : هدية العرفين اسماء المؤلفين و آثار المصنفين ، دار المثنى (بيروت ، د ، ت ) 1 / 373
(40) المصدر نفسه ،2 / 117
(41) مصطفى ، العانى : الطب بين التراث و المعاصرة ، مجلة المورد (العراق ، 1978 ) ص 234

alasmri
14-11-2007, 03:20 PM
شكرا لك أخي العزيز على هذا الموضوع الرائع وجزاك الله ألف خير أ زكية القعود...

بنت الاسلام
20-03-2010, 05:08 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .