المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة جمعة بعنوان العلم والعلمانية للعلامة البوطي


algalhud77
10-12-2006, 09:21 PM
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم - أيها المسلمون - ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله!

لقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه استيقظ ذات غداة من النوم فقال: ((ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج هكذا)). وأشار بسبابته وأنملته. قالت له زينب رضي الله عنها: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)). وقد صح أيضاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم أنه قال: ((ستكون بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه فيها بعَرَض من الدنيا قليل)). وقد سأله أحد الصحابة: ما العاصم يا رسول الله منها يومئذ؟ فقال: ((كتاب الله)) أي الاعتصام بدين الله عز وجل اعتقاداً وسلوكاً وتمسكاً بأحكامه وآدابه، وها هي ذي الفتن تترى وتتوارد بعضها يأخذ بُحِجُز بعض كما ترون يا عباد الله، وهذا هو مصداق ما أخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليت المسلمين وهم يرون هذا الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينفذون وصيته، ويلتزمون بأمره، ويفرون منها إلى الله عز وجل عن طريق الرجوع الصادق إلى دين الله عز وجل، وإلى الاستمساك بكتابه، إذن لعصمهم الله سبحانه وتعالى عن عقابيل هذه الفتن، ولمرت بهم ولكن بسلام، ولكن المسلمين أو جُل المسلمين يفرون من هذه الفتن إلى أولئك الذين يستوقدون نيرانها، وهذا شيء غريب وعجيب.

من الأمر العجيب ومن الأمر الغريب حقاً أن تجد العدو وهو يضع في طريقك الفتن واحدة إثر أخرى أن تفر منها إلى صناعها، أن تفر منها إلى الذين يستوقدون نيرانها، أليس هذا ما يجري اليوم في عالمنا العربي والإسلامي يا عباد الله؟ أليس من الغرابة بمكان أن يفر الإنسان من عداوة عدوه إلى أحضانه؟ هذا ما يجري اليوم.. والأغرب من هذا أننا ونحن مسلمون يصك آذاننا نداء الله سبحانه وتعالى المتكرر القائل: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً} [آل 'عمران: 3/28] {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 60/1] نداء الله عز وجل يتكرر على أسماعنا، والعلاج من هذه الفتن وعقابيلها مرسومة أمامنا في كتاب الله وفي هدي رسول الله (ص)، يقول الله عز وجل: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 51/50]. أي إذا رأيتم الخطر ففروا منه إلي. ويقول المصطفى (ص) وقد سئل عما يعصم الأمة من الفتن التي تحدث عنها قال: ((كتاب الله سبحانه وتعالى)). والمسلمون يزعمون أنهم مسلمون، ولكنهم - كما قلت لكم - يفرون من الفتن إلى من ينفخون في نيرانها، ويعلنون لهم أنهم كما يشاؤون، وأنهم يسيرون على النهج الذي يحبون، لا يسلكون مسلكاً يعارضونهم فيه، فليطمئنوا إلى أنهم لا يشكِّلون خطراً عليهم، ها هم أولاء مستسلمون..

عندما تجد أمة مسلمة تعتز فيما يبدو بإسلامها، وتنتمي فيما يبدو إلى تاريخها الإيماني الإسلامي، ولكنها عندما تجد الخطر تعلن العلمانية، تعلن أنها بريئة، وأنها بعيدة عن الالتزام بأي دين، إنها كأولئك الأعداء تماماً، دولة أو أمة علمانية. وما معنى علمانية؟ وددت لو أن المعنى المراد بها هو المعنى اللغوي، إذن لصدق ذلك على المسلمين دون غيرهم. وددت لو أن المعنى المراد بكلمة العلمانية اتباع ما يأمر به العلم، والابتعاد عما يخالف العلم، إذن لرأينا أن هذا يصدق على الإسلام، فالإسلام هو الدين الذي يسجد العلم لكل مبادئه ومعقتداته وشرائعه، والإسلام متمثلاً في كتاب الله عز وجل هو الذي يقول: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 17/36]. {لا تقفُ} لا تتبع مذهباً مبدأً ديناً لا تجد بصمات العلم عليه حتى ولو كان الإسلام، ذلك أن من اعتنق الإسلام وهو لا يعلم أنه حق، وإنما اعتنقه تقليداً للآباء والأجداد لا يقبل الله عز وجل منه إسلامه قط، إذن لو أن الأمر كان كما يُفْهَم من المعنى اللغوي لهذه الكلمة لكان الذين يقولون: نحن علمانيون، يعني أنهم يعتزون بالإسلام؛ ذلك لأن من اتبع العلم حقاً، وجرد عقله عن الخلفيات، وعن العصبيات، وأخلص للعلم وما يدعو إليه ضياء العلم سيجد نفسه وجهاً لوجه أمام دين الله عز وجل، أمام الإسلام.

ولكن ما المعنى المراد اليوم بكلمة العلمانية هذه؟ المراد بها المصطلح الغربي لا غير. والمصطلح الغربي له تاريخ تعرفونه جميعاً، يوم قامت المعركة بين العلماء في الغرب في القرن السابع عشر الميلادي، وبين أباطرة الدين ورجال المسيحي هناك، وقامت المعارك بين الطرفين، ثم انتصر تيار العلم، وحُجِّم ذلك التيار الآخر، وأعلنت دول في الغرب أنها تتبع العلم الذي يرفض الكنيسة، والذي يرفض كل ما تتعارض الكنيسة فيه مع نداءات العلم وحقائقه، ومن هنا رفع أولئك الناس نداء العلمانية التي تتبرأ من ذلك الدين المخالف للعلم، وأبقوا للدين حجمه الخاص به الذي لا يتعارض مع العلم الذي يحتضنه الغرب. هذا هو المصطلح الذي يراد عندما يستعلن أناس بهذه الكلمة، وهم يطربون منها، وهم ينتشون بها أيما انتشاء. أولئك الناس كانوا غيارى على العلم عندما رفعوا هذا النداء، كانوا غيارى على العلم عندما تبنوا هذا المصطلح، وعندما ثاروا ثورتهم تلك، لأنهم كانوا على حق في أن يتبعوا العلم، بل كانوا في هذا متفقين مع الإسلام الذي يقول: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 17/36].

هذا المصطلح الذي ينادي به أناس في بلادنا العربية والإسلامية اليوم إنما ينادون به تجملاً به أمام الغربيين أعدائهم، يتجملون به - بهذا المصطلح - ليقولوا: نحن منكم، ونحن نسير على النهج الذي تسيرون عليه، فحذار من أن تؤذونا، حذار من أن تسيؤوا إلينا، نحن مستسلمون، ولا ينبغي أن تخافوا من هذا الإسلام، البعبع الذي يخيفكم ليل نهار، فنحن لسنا منه في شيء، نحن علميون علمانيون مثلكم. وصدق الله القائل: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ} [المائدة: 5/52]. سبحان ربي كم وكم يصدق هذا الكلام على كثير من المسلمين في هذا العصر {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ممن يتظاهرون بالإسلام {يُسارِعُونَ فِيهِمْ} يسارعون انضواء تحت أجنحتهم، اتباعاً لتياراتهم، اصطباغاً بمصطلحاتهم {يَقُولُونَ} معتذرين {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ} هؤلاء يتربصون بنا، وليس لنا من سبيل للتخلص من تهديداتهم ونذرهم إلا أن ننضوي تحت أجنحتهم، يا للعار! يا للذلّ والهوان!! أإلى هذا آل أمر الأمة الإسلامية التي كانت مضرب العز والأنفة والسمو؟! هذا ما نراه في هذا العصر اليوم. أما الله عز وجل فيقول: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 51/50] العاصم هو الله، والمُعْتَصم والحصن هو كتاب الله سبحانه وتعالى.

نحن مسلمون، وكلما ازدادت الفتن هياجاً، وكلما اضطرمت نيرانها، وكلما رأينا اليقين بأن لا حصن لنا إلا حصن الله سبحانه وتعالى.

نحن علميون وعلمانيون، ولكن بالمعنى والمصطلح القرآني، نحن علميون وعلمانيون، ولكن يالمصطلح الذي علمناه إياه كتاب الله سبحانه وتعالى، لا نخطو خطوة إلا على هدي من العلم، لا نشرد عنه إلى يمين ولا إلى شمال، وعندما نلتزم مضطرين أن نتوج رؤوسنا به يقيناً واعتقاداً، وإلى أن نصطبغ به سلوكاً وإرشاداً، هذا هو المعنى الذي ندركه لهذه الكلمة، فمن كان يعني هذا المعنى فيا مرحباً به، ومن كان يعني المعنى الاتباعي ذلك المعنى الآخر الذي نادى به يوماً ما الغربيون لأنهم شاؤوا فعلاً أن يكونوا علميين وعلمانيين، فنحن لسنا من الاتباع في شيء، لا نتبع إلا من هو ربنا ونحن عبيده، لا يمكن أن نقبل هذه الصبغة، وهذه الصفة بالمعنى الاتباعي للغرب ومصطلحاتهم قط.

متى؟ في أي عصر؟ في أي زمان؟ في أي جزئية خالف الإسلام العلم؟ ألا فليقل الذين يحلمون بالمصير العلماني، فليجيبوني عن هذا السؤال: متى وفي أي مكان وفي أي جزئية من جزئيات الإسلام خالف الإسلام حقيقة علمية؟! إن في المعتَقَد أو في الشرائع والسلوك. عزنا بهذا الإسلام أنه متوج بتاج العلم، عزنا بهذا الإسلام أن العلم يسجد له، ومعنى ذلك فمآلنا إلى الله، وموقفنا بين يدي الله سبحانه وتعالى، ليس من إله غيره، ليس لنا ممن نخاف غيره' ليس لنا ممن نرجو غيره، وليت قادة العالم العربي والإسلامي يعلمون هذه الحقيقة، ويغرسونها يقيناً بين جوانحهم، إذن رأينا أنهم كبروا ثم كبروا ثم كبروا، وصَغُر أولئك الأعداء ثم صَغُروا وصَغُروا، إلى أن يذلوا، ثم يذهبوا كالفُتات. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.