المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة جمعة للعلامة الحميري بعنوان الصوفية في الميزان (3)


عبد الرحمن
12-12-2006, 06:54 AM
أما المستقيمون السالكون كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وسري السقطي، والجنيد وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبدالقادر الجيــلاني ـ قدس الله روحـــه ـ والشـــيخ حماد أبي البيـــان، وغيرهــم من المتأخـــرين فهــــم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج من الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم. اهـ

وقد ذكر في كتابه شرح حديث النزول (ص352ـ353) ما نصه: (( الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة، إمام هدى )) إلى أن قال: (( ومن خالفه فمن أهل الضلال )) كما وقد ذكر في الجزء العاشر من الفتاوى(ص686) (( وكان رضي الله عنه سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليماً وتأديباً وتقويماً)) اهـ

فمن هذه النصوص السابقة تبين لنا أن التصوف ليس مستنبطاً من أصول لا تمت إلى الإسلام بصلة، ولا منتسباً إلى أصول غير إسلامية وعربية، كما يزعم أعداء الإسلام من المستشرقين وتلامذتهم الذي ابتدعوا أسماء مبتكرة، فأطلقوا اسم التصوف على الرهبنة البوذية، والكهانة النصرانية، والشعوذة الهندية، فقالوا: تصوف بوذي، وتصوف هندي، وتصوف نصراني، وتصوف فارسي، يريدون بذلك تشويه اسم التصوف من جهة، واتهام التصوف بأنه راجع في نشأته إلى هذه الفلسفات الضالة، وإشغال المسلمين بالأسماء عن المسميات، وبالقشور عن اللب والجوهر، مع أن ذلك قد نفاه وأنكره بعض المستشرقين أنفسهم، حيث ذكر المستشرق نيكلسون نقلاً عن المستشرق (( نولدكه )) منكراً أن تكون الكلمة راجعة إلى أصل يوناني أو بوذي أو غيره، ثم قال: لا يوجد دليل إيجابي يرجح افتراض أن الكلمة مشتقة من الأصل اليوناني (( سوفوس )) في حين أن نسبتها إلى الصوف تؤيدها نصوص من أقوال الكُتَّاب المسلمين أنفسهم.

فهذا هو الحق الذي ليس عنه محيص، وليس بعد الحق إلا الضلال المبين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولكافة المسلمين، فاستغفروا الله، فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد... أوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته، والتحري مما تقرؤون وتسمعون، وأن تعرفوا الحق لتعرفوا الرجال، كما قال علي عليه السلام: نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال.

فينبغي علينا أن لا نَسِمَ تلك الطائفة الطاهرة بما نراه في زماننا هذا من التستر خلف تلك الطائفة، فقد حذر الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله وغيره من أولئك المتسترين تحت عباءة الرجال، تسموا باسمهم، وليسوا منهم في شيء، بل هم في غرور وباطل وغلط، يتسترون باسم الصوفية توقياً تارة، ودعوى أخرى. وبعض هؤلاء ينهجون منهج أهل الإباحة ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى الله، وأن الترسم بمراسم الشريعة رتبة العوام، وهذا هو عين الإلحاد والزندقة، إذ كل حقيقة ردتها الشريعة زند قة، وبعضهم يقول بالحلول، ويزعمون أن الله تعالى حلّ فيهم، ويحل في أجسامهم مصطفيَها، ويسبق إلى فهومهم معنى من النصارى في اللاهوت والناسوت، تعالى الله أن يحل في شيء أو يحل به شيء، ومنهم من يستحل النظر إلى المحرمات إشارة إلى هذا الوهم، وبعضهم يزعمون أنهم مجبورون على الأشياء لا فعل لهم مع الله، ويسترسلون في المعاصي وكل ما تدعو إليه النفوس، ويركنون إلى البطالة ودوام الغفلة والاغترار بالله، والخروج من الملة وترك الحدود والأحكام والحلال والحرام، وقد سئل سهل رضي الله عنه عن رجل يقول: أنا كالباب لا أتحرك إلا إذا حُرِّك، فقال: هذا لا يقوله إلا أحد رجلين، إما صديق إشارة إلى أن قوام الأشياء بالله مع إحكام الأصول ورعاية حدود العبودية، وإما زنديق إحالة للأشياء على الله، وإسقاطاً للوم عن نفسه، وانخلاعاً عن الدين ورسمه. اهـ كما في الفتاوى الحديثية.

وبعد هذا تبين لنا الحق من الباطل، فعلى كل جاهل بأمر هذه الطائفة أن يحسن الـظن فيهم، فقد تضافرت أقوال أهل العلم أن من لا يحسن الظن فيهم يخشى عليه من سوء الخاتمة. وسنواصل هذه السلسلة عن قريب إن شاء الله.