اخر عشرة مواضيع :         اقتراح بإعداد مذكرة للمتشابهات القرآنية (اخر مشاركة : عبد الرحمن - عددالردود : 46 - عددالزوار : 3985 )           »          الهدية الناظورية اكبر مكتبة ناطقة بالعربية (اخر مشاركة : موحد لله - عددالردود : 101 - عددالزوار : 30394 )           »          صلوات متلاحقة على المصطفى الجزء الاخير (اخر مشاركة : موحد لله - عددالردود : 195 - عددالزوار : 9516 )           »          قال المصطفى عليه الصلاة والسلام .. .. ( رفقاً بالقوارير ) (اخر مشاركة : بنت غريان الحرة - عددالردود : 4 - عددالزوار : 1254 )           »          سجود السهو بالصور (اخر مشاركة : بنت غريان الحرة - عددالردود : 5 - عددالزوار : 2131 )           »          أحاديث مثل أجر (اخر مشاركة : بنت غريان الحرة - عددالردود : 3 - عددالزوار : 1249 )           »          حياة سيدنا ابي بكر الصديق (رضي الله عنه وارضاه) (اخر مشاركة : بنت غريان الحرة - عددالردود : 3 - عددالزوار : 1112 )           »          إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه (اخر مشاركة : بنت غريان الحرة - عددالردود : 3 - عددالزوار : 761 )           »          كلمات القرآن..تفسير وبيان..جزء "عم" كاملا..(محمد حسنين مخلوف) !!! (اخر مشاركة : بنت غريان الحرة - عددالردود : 4 - عددالزوار : 4086 )           »          هل صليت على حبيبك الرسول اليوم (اخر مشاركة : بنت غريان الحرة - عددالردود : 267 - عددالزوار : 27995 )           »         

هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك. للاشتراك الرجاء اضغط هنــا
إعلانك معنا يحقق نجاحك
    أنصر نبيك     الحج والعمرة        مواعيد برنامج الجنة في بيوتنا     موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية     ضع إعلانك معنا     موقع الداعية الرباني الحبيب علي الجفري    ضع إعلانك معنا    منتديات ليبيا زوون    شاهد برنامج المبشرات على قناة الشارقة    ضع إعلانك معنا     مواعيد برنامج دعوة للتعايش     ضع إعلانك معنا    مجموعة ترايدنت التطويرية لها كل الشكر     ضع إعلانك معنا    موقع العلامة الداعية الحبيب عمر    ضع إعلانك معنا     ضع إعلانك معنا

toolbar حمل شريط أدوات بوابة الأسمري

 
  أهلا وسهلا بكـ يا غير مسجل
القرآن الكريم

 الحج

مشاركاتي

العودة   منتديات بوابة الأسمري > مجالس بوابة الأسمري الرئيسية > مجلس عــلـم الأصـــــــول والــعـقــيــدة
اسم العضو
كلمة المرور

مجلس عــلـم الأصـــــــول والــعـقــيــدة كل ما يختص بعلم الأصول والعقائد لأهل السنة والجماعة من أشاعرة وماتريدية-ملاحظة- هذا القسم تحت المراقية أي لا يتم نشر الموضوع إلا بعد موافقة إدارة المنتدى

المنتج الإسلامي 2.0

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 07-07-2007, 10:56 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المشرفين
 
الصورة الرمزية قشوطة
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:









قشوطة غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
افتراضي مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة
بقلم محمد علوي المالكي رحمه الله


قال النبي : (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)

وفي تحديد المراد من قوله هذا عصمة عن التمادي في إطلاق الألسن بالتبديع والتضليل بفعل كثير من المسائل الفقهية المختلف فيها بين أرباب المذاهب الفقهية من المجتهدين الذين ما كانوا يثبتون حكمًا بالرأي المحض، وإنما يستندون إلى مآخذ شرعية ضبطوها وبذلوا جهدهم فيها مع عدالتهم وسعة اطلاعهم واستقامة أفهامهم وتحرّيهم الصواب بتكرير النظر مرة بعد أخرى، وسار مَنْ بعدهم على منوالهم فنظروا وانتقدوا واستنبطوا ورجّحوا، وربما توهم قوم في خلافهم مع سواهم أن اختلافهم معهم على عقيدة فشّركوا وضلّلوا وبدّعوا... بينما لم يتفطّنوا إلى أن الاختلاف إنما كان على مفاهيم متخالفة في العبادات والمعاملات فلا يوجب ذلك الاختلاف تكفيرًا أو تبديعًا.
جاء في الحديث عن حذيفة قال: قال رسول الله : (إنما أتخوف عليكم رجلاً قرأ القرآن حتى إذا رؤي عليه بهجة وكان رِدْءَ الإسلام اعتزل إلى ما شاء الله وخرج على جاره بسيفه ورماه بالشرك) رواه البزار وإسناده صحيح. وقوله: (وكان رِدْءَ الإسلام) يعني عونًا ونصرًا.
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي قال: (أخوف ما أخاف عليكم ثلاثًا، رجل آتاه الله القرآن حتى إذا رأى بهجته وتردى الإسلام أعاره الله ما شاء اخترط سفه وضرب جاره ورماه بالكفر، قالوا: يا رسول الله، أيهما أولى بالكفر، الرامي أو المرمي به؟ قال: الرامي... الحديث) الحديث رواه ابن حبان عن حذيفه.
وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: وذكر الحديث وفيه: (ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس بذلك إلا حار عليه) أي رجع عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (أيما امرئ قال لأخيه بالكافر فقد باء بهما أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه).
وأخرج أبو القاسم الأصفهاني في "الترغيب والترهيب" عن ابن عمر قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثماني عشرة كلمة قال: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وَضَعْ أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً.
ولا شك أن الغلو في الدين وعدم الفقه والتفقه في مقاصد الشريعة مع الإعجاب بالنفس، وعدم الاعتداد بآراء العلماء وأفهامهم، واستحلال دماء المسلمين المعصومة، وعدم المحاولة في فرض المخارج الحسنه لهم، وعدم تحمل الخلاف في الرأي هو السبب في التبديع والتضليل والمسارعة فيها.

ما هو فهم علماء السلف لحديث
(كل محدثة بدعة).
الخطابي:
قال الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة 388 في شرح هذا الحديث: وقوله: (كل محدثة بدعة) فإن هذا خاص في بعض الأمور دون بعض وهي كل شيء أحدث على غير أصل من أصول الدين وعلى غير عياره وقياسه، وما كان منها مبنيًا على قواعد الأصول ومردودًا إليها فليس ببدعة ولا ضلاله، والله أعلم، وفي قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين) دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولاً وخافه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى.[1]
ابن عبد البر:
قال الإمام الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري الأندلسي: وأما قول عمر: نعمت البدعة، فالبدعة في لسان العرب اختراع ما لم يكن وابتداؤه، فما كان من ذلك في الدين خلافًا للسنة التي مضت عليها العمل فتلك بدعة لا خير فيها، وواجب ذمها والنهي عنها والأمر باجتنابها وهجران مبتدعها إذا تبين له سوء مذهبه، وما كان من بدعة لا تخالف أصل الشريعة والسنة فتلك نعمت البدعة، كما قال عمر: لأن أصل ما فعله سنة.
وكذلك قال عبد الله بن عمر في صلاة الضحى، وكان لا يعرفها، وكان يقول: وللضحى صلاة؟
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي عليه الجريرى عن الحكم عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعمت البدعة.
وقد قال تعالى حاكيًا عن أهل الكتاب: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27].
وأما ابتداع الأشياء من أعمال الدنيا فهذا لا حرج فيه ولا عيب على فاعله[2].
كلام نفيس لابن رجب الحنبلي:
قال العلامة الحجة الفقيه المحدث الإمام زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد المعروف بان رجب الحنبلي في شرح حديث (كل بدعة ضلالة) قوله: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: (كل بدعة ضلالة) والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغة، وفي "صحيح مسلم" عن جابر رضي الله عنه عن النبي كان يقول في خطبته: (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).
وأخرج الترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن عبد الله المزني -وفيه ضعف- عن أبيه عن جده عن النبي قال: (من ابتدع ضلالة لا يرضاها الله ولا رسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا).
وأخرج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الشمالي قال: بعث إليّ عبد الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد صلاة الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها، لأن النبي قال: (ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسكٌ بسنة خير من إحداث بدعة).
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله نحو هذا، فقوله : (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، ثم قال: وقد روي الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هي، ومراد الشافعي رضي الله عنه ما ذكرناه من قبل، وهو أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما واقف السنة يعني ما كان لها أصل من السنة يرجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة، وقد روي عن الشافعي كلام. آخر يفسر هذا وهو أنه قال: والمحدثات ضربان، ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه هي بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، كثير من الأمور التي أحدثت ولم يكن قد اختلف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا، فمنها كتابه الحديث، نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة، ورخص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة، ومنها كتابه تفسير الحديث والقرآن كرهه قوم من العلماء ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك، وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم وما أحدث من ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول، وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين، وروي ابن مهدي عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي وأبي بكر وعمر وعثمان، وكأن مالكًا يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عكس ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه وقدره، فكذب بذلك من كذب وزعم أنه نـزه الله بذلك عن الظلم، وأصعب من ذلك ما حدث من الكلام في ذات الله وصفاته مما سكت عنه النبي والصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقوم نفوا كثيرًا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوا تنـزيهًا لله عما تقتضيه العقول بتنـزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله عز وجل، وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة على السكوت عنها، ومما أحدث في ألأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته الرأي والأقيسة العقلية، ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة وأنه لا حاجة إلى الأعمال وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام، وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعًا مخالفته للكتاب والسنة وإجمال سلف ألأمة: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213].
النووي:
قال ألإمام شيخ ألإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى النووي: قوله: (وكل بدعة ضلالة) هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع، قال أهل اللغة: هي كل شيء عمل على غير مثال سابق، قال العلماء: البدعة خمسة أقسام، واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة، فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباح التبسيط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران، وقد أوضحت المسألة بأدلتها المسبوطة في "تهذيب الأسماء واللغات" فإذا عرف ما ذكرته علم أن الحديث من العام المخصوص وكذا ما أشبه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة، ولا يمنع من كون الحديث عامًا مخصوصًا قوله: (كل بدعة) مؤكدًا بكلّ بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25].
ابن تيميه:
قال الشيخ ابن تيميه معلقًا على قول سيدنا عمر بن الخطاب: نعمت البدعة هذه، ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداءً من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي.
فإذا كان نص رسول الله قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقًا ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه، فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة، لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي يسمى بدعة ويسمى محدثًا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي المهاجرين إلى الحبشة: إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاؤوا بدين محدث لا يعرف.
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، إن سمي بدعة في اللغة، فلفظ (البدعة) في اللغة أعم من لفظ (البدعة) في الشريعة.
وقد علم أن قول النبي : (كل بدعة ضلالة) لم يرد به كل عمل مبتدأ في دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو .
ابن حجر:
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة[3].
الصنعاني:
قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" في شرح قوله: (كل بدعة ضلالة): البدعة لغة: ما عمل على غير مثال سابق، والمراد بها هنا ما عمل من دون أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة. وقد قسم العلماء البدعة على خمسة أقسام: واجبة كحفظ العلوم بالتدوين والرد على الملاحدة بإقامة الأدلة، ومندوبة كبناء المدارس، ومباحة كالتوسعة في ألوان الأطعمة وفاخر الثياب، ومحرمة ومكروهة وهما ظاهران.
فقوله: (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص.
اللكنوي:
وقد لخص الإمام أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي كلام أئمة السلف وموقفهم من هذا الحديث في قولين، فقال: اختلف العلماء في هذا الباب على قولين:
الأول: أن حديث (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص البعض، والمرد به البدعة السيئة، وقسموا البدعة إلى واجبة ومندوبة ومكروهة ومحرمة ومباحة، وهو الذي رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن الإمام الشافعي، أنه قال: المحدثات في الأمور ضربان:
أحدهما: ما أحدث مما خالف كتابًا أو سنة، أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة في الضلالة.
وثانيهما: ما أحدث من الخير، وهذه غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه، ويعني أنها محدثة لم تكن.
وبه صرح الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب"القواعد" والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات" وعلي القاري في "شرح المشكاة" وابن ملك في "مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار" والسيوطي في رسالته "حسن المقصد في عمل المولد" ورسالته "المصابيح في صلاة التراويح" والقسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري" والزرقاني في "شرح الموطأ" والحافظ أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" والحلبي في "إنسان العيون في سيرة النبي المأمون" وغيرهم، فعلى هذا القول البدعة التي هي ضد السنة هي البدعة المكروهة والمحرمة، وأما ما سواهما من البدعات فلا تكون سيئة.
والقول الثاني: وهو الأصح بالنظر الدقيق أن حديث (كل بدعة ضلالة) باق على عمومه، وأم المراد به البدعة الشرعية، وهي ما لم يوجد في القرون المشهود لهم بالخير ولم يوجد له أصل من الأصول الشرعية، ومن المعلوم أن كل ما كان على هذه الصفة فهو ضلالة قطعًا، وإلى هذا القول مال السيد السند في "شرح المشكاة" والحافظ ابن حجر في "هدي الساري مقدمة فتح الباري"وفي "فتح الباري" وابن حجر الهيتمي الملكي في "الفتح المبين بشرح الأربعين" وغيرهم.
هذا وقد نقل العلماء والمحدثون والحفاظ في كتبهم هذا الفهم للحديث الشريف، واعتبروه حجة مرضية وطريقة شرعية معتمدة يرضاها كل ذي عقل سليم وفهم قويم.
ومن أولئك، الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي الذي نقل كلام ابن رجب في كتابه "عون المعبود شرح سنن أبي داود".
ومنهم الشيخ أبو العلى محمد بعد الرحمن المباركفوري الذي نقل كلام ابن رجب في كتابه "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي".
ومنهم، الشيخ خليل أحمد السهارنفوري الذي نقل كلام الخطابي في كتابه"بذل المجهود في حل أبي داود".
الشوكاني:
أما الإمام محمد بن علي الشوكاني فقد نقل في كتابه "نيل الأوطار" في شرح حديث صلاة التراويح عن قول سيدنا عمر: نعمت البدعة هذه...كلام ابن حجر في تقسيم البدعة ولم يعترضه بشيء.
ابن العربي:
قال الإمام الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي: اعلموا – علمكم الله - أن المحدث على قسمين، محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإدارة، فهذا باطل قطعًا، ومحدث بحمل النظير فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء، وليس المحدث والبدعة مذمومًا للفظ محدث وبدعة ولا لمعناها، فقد قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2].
وقال عمر: نعمت البدعة هذه، وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة.
الباجي:
قال الإمام القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي في شرح حديث التراويح عن قول سيدنا عمر: نعمت البدعة : وهذا القول تصريح من عمر رضي الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم، ورتب ذلك في المساجد ترتيبًا مستقرًا، لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره، فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلمّ جرّا.
وهذا أبين في صحة القول بالرأي والاجتهاد، وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التي ذكرناها.
الزرقاني:
قال العلامة الفقيه الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني في "شرح الموطأ" عند قول سيدنا عمر: (نعمت الدبعة هذه): وصفها بنعمت لأن أصل اللغة سنة وإنما البدعة الممنوعة خلاف السنة، وقال ابن عمر في صلاة الضحى: نعمت البدعة، وقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27].
وأما ابتداع الأشياء من عمل الدنيا فمباح، قاله ابن عبد البر، وقال الباجي: (نعمت) بالتاء على مذهب البصريين، لأن نِعْمَ فعلٌ لا يتصل به إلا التاء، وفي نسخ (نعمه) بالهاء وذلك على أصول الكوفيين، وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمر وتابعه الصحابة والناس إلى هلمّ جرّا، وهذا يبين صحة القول بالرأي والاجتهاد انتهى، فسماها بدعة لأنه لم يسن الاجتماع لها ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة: ما أحدث على غير مثال سبق، وتطلق شرعًا على مقابل السنة، وهي ما لم تكن في عهده ، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة.
وحديث: (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص، وقد رغب فيها عمر نعمت البدعة، وهي كلمة تجمع المحاسن كلها كما أن بئس تجمع المساوئ كلها، وقد قال : (اقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر) وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال اسم البدعة.


المصدر الأول لتقسيم البدعة
المشرع الأعظم هو المرجح
اعلم أن المشرع الأعظم وهو سيدنا محمد هو المصدر الأول في تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، أو قُلْ: بدعة مقبولة وبدعة مردودة، أو قُلْ: بدعة شرعية وبدعة لغوية، أو قُل: بدعة دينية وبدعة دنيوية، وذلك من قوله في الحديث الصحيح أنه قال: (من سن سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) ففي هذا الحديث تقسيم للأمر المبتدأ من غير مثال إلى مردود ومقبول.
وهو يشرع ابتداء الخير في أيّ عصر وقع دون قصر على أهل قرن بعينه فقصره على محدث الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين هو تقييد للحديث بدون دليل.
وقد قبل الناس ما جدّ بعد عهد الخلفاء الراشدين وعصر الصحابة من تشكيل آيات القرآن ونقط حروفه، وتنظيم الأجزاء والأرباع والسجدات، ووضع العلامات على كل عشر آيات، وعدّ سورة القرآن، وترقيم آياته، وبيان المكي والمدني في رأس كل سورة، ووضع العلامات التي تبين الوقف الجائز والممنوع، وبعض أحكام التجويد كالإدغام والتنوين ونحوها من سائر الاصطلاحات التي وضعت في المصاحف، وكذلك قبل الناس تدوين علوم اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخامة للشريعة.
فكل هذه الأمور وقعت بعد عهده يجعلها أحد من محدثات وبدع الضلالة، ولم يقل أحد إن حديث (كل بدعة ضلالة) يشملها بل عدوا ذلك من المستحسنات، لأنها لا تصادم نصًا ولا شيئًا من أسس التشريع، وتتحقق بها مصلحة مفيدة وهي المحافظة على تيسير تلاوة القرآن وحفظه وحسن ترتيله ومعرفة بعض الأحكام، وذلك من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين فأصبحت مندرجة تحت تشريع عام يستحسنها، وكل ما كان من هذا القبيل فإنه غير مذموم، وإطلاق البدعة عليه إطلاق لغوي، فإن عللوا قبول ذلك لاندراجه تحت الأصول الشرعية، فكذلك الجمهور إنما جعلوا القسم المقبول من المحدث هو المندرج تحت أصل تشريعي، وهو المصلحة المناسبة بشرط أن لا تصدم المصلحة نصًا، ولا تصادم سنةً حسَّنَها الشرع، ولا تندرج تحت حكمٍ قبَّحه الشرع.
والأصول الشرعية ليست قاصرة عند جمهور العلماء على النصوص، بل تشمل جميع الطرق والأصول التي استنبطها العلماء من نصوص الشارع وتصرفاته، كما وضحناه من قبل.
ومحال أن يتناقض كلام رسول الله فيقرر تارة أن كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، هكذا بالإطلاق الكلي الواسع، ثم يأتي فيقرر تارة أخرى أنه – يعني هذا المحدث- يدور بين الحسن والقبح أو بين سنة حسنة وسنة سيئة.
والمخرج هو أن يكون لكل من الحديثين محمل، ولما كان للمحدث والبدعة معنى خاص شرعي ومعنى عام لغوي، فالبدعة بلسان الشرع تطلق على كل محدث يخالف النصوص والأصول الشرعية، ولم يكن مستندًا إلى عمل القرون الثلاثة وجب عقلاً ونقلاً أن يحمل حديث: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) على هذا الاستعمال الشرعي وكُلِيّتُها في الحديث إنما هو بحسب معناها الخاص الذي استعمله الشرع فيها، وهو كل محدث بعد القرون الثلاثة يصادم النصوص أو الأصول الشرعية.
أما المحدث والبدعة بمعناها اللغوي العام من الابتداع بمعنى الإحداث، ففي كل أمر مبتدأ من غير مثال سابق، وعلى هذا المعنى اللغوي العام يجب أن يحمل حديث: (من سنة سنة حسنه.. ومن سن سنة سيئة) ويشمل هذا المعنى اللغوي بدعة الضلالة السابقة والبدعة المقبولة، وهي الأمر المبتدأ الذي لا يصادم نصًا ولا أصلاً شرعيًا، ويتحقق بها مصلحة مناسبة للتشريع، وهذا القسم ليس من المحدث المذموم ولو وقع بعد العهود الثلاثة الأولى، ولا خارج عن الشرع ولا عن أمره ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه، فلا يشملها حديث (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ولا حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وإنما يشملها حديث (من سن سنة في الإسلام حسنة)، وهكذا يحمل الحديث (كل بدعة ضلالة) على الاستعمال الشرعي، وهو المحدث الذي يعارض النصوص والأصول، الشرعية كما يحمل حديث: (من سن سنة حسنة... الخ) على الاستعمال اللغوي العام الذي يشمل ما يعارض النصوص والأصول فيكون مذمومًا، كما يشمل ما لا يعارضها فيكون مقبولاً.
ووضع الضوابط والجمع بين المخالفات هو مهمة العلماء الذين يدركون ما يقولون، ولقد بين الإمام الشافعي الضابط الذي يميز كل قسم عن الآخر، فجعل الشيء ما خالف النصوص والأصول، والحسن ما لم يعارض شيئًا من ذلك.
وبهذا البيان يظهر لنا أن تقسيم البدعة والمحدث إلى حسن وسيء هو تقسيم لهما بالإطلاق اللغوي لا الشرعي، فيصبح من التكلف عناء الإنكار للتقسيم لتوهم أن المقسم هو البدعة والمحدث بالاصطلاح الشرعي الذي ورد في حديث (كل بدعة ضلالة).
بينما هم قسموا البدعة بإطلاقها اللغوي، وأبقوا البدعة الشرعية على عمومها من كل ما يسميه الشرع محدثًا وبدعة باصطلاحه وعرفه، وهو المخالف للنصوص والأصول الشرعية.
فالمتوهمون أن التقسيم كان للبدعة الشرعية هو من باب إدارة معركة في الهواء بتخيل معركة بين فريقين في البدعة الشرعية، رغم أن الاتفاق تام وقائم بلا خلاف على عدم تقسيمها، كما أن الاتفاق تام وقائم على تقسيم البدعة اللغوية إلى ما تقدم ذكره، حتى مَن لم يُقرّه بهذه الكيفية فإنه مضطر إلى القول به مُنساق بالضرورة إلى اعتباره واستعماله شاء أم أبى، لكنه قد يحتار في تسميته فتراه يتخبط هنا وهنا بحثًا عن الألفاظ التي يتم بها الخروج من المأزق، ويكفي أن يكون رسول الله هو البادئ في التقسيم (من سن سنة حسنه.. ومن سن سنة سيئة) فالتهويش بالكلية الواردة في حديث: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) هو من باب تضليل الناس بأن الحديث وارد في البدعة مطلقًا لصرف نظرهم عن استعمالها في الحديث بالاستعمال الشرعي الذي يطلق شرعاً على ما يصادم أصول التشريع، وتلك هي بدعة الضلالة التي أصبحت حقيقة شرعية فيما يصادم النصوص والأصول، وهي مذمومة كلها بحسب ما استعملت فيه شرعًا، أي أن الكلية سارية على كل محدث مما يسمى بلسان الشرع محدثًا، ومن حكم على المقبول من البدعة اللغوية بأنها سنة حسنة فقد اقتدى برسول الله في التسمية، وإن سماها بدعة حسنة فلم يجانب الإطلاق اللغوي للبدعة من الابتداع بمعنى الإحداث لأمر على غير مثال سابق، ومن تجنب تسميتها بدعة فعلى رأي من لا يطلق البدعة إلا على البدعة الشرعية، ويسمى المقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي سنة أو يسميها اتباعًا وما أشبه ذلك.

تأويل بتعطيل النص الواضح
ولقد حاول البعض التخلص مما تضمنه حديث: (من سن سنة حسنة.. ومن سن سنة سيئة) الذي يدل بوضح على تقسيم الأمر المحدث إلى مقبول ومردود أو على حسن وسيء، فراح يفسر الحديث بما لا ينطبق على ألفاظه إذ قال: إن قوله: (سن في الإسلام) يعني: أحيا سنة وأظهرها وأبرزها مما قد يخفى على الناس فيدعو إليها ويظهرها ويبينها، وقال: فعلم بذلك أن المقصود من الحديث إحياء السنة وإظهارها.
فها أنت ترى أن قوله هذا فيه تأويل واضح لا شك فيه لحديث (من سن سنة....) وقضاء على منطوقه ومفهومه، وهدم لمعانيه وألفاظه التي تدل في صراحة ووضوح على الحث على إنشاء سنن الخير وفتح الباب أمام العاملين وتأصيل العادات الحسنة والطرق الجديدة المستحسنة التي تدخل تحت لواء الشريعة الإسلامية، وتندرج تحت قواعده الكلية، ولا تعارض شيئًا من الأصول الثابتة التي لا تحتمل التأويل.

إحياء السنة أصل مستقل
على أنه قد ورد في الحث على إحياء السنة المهجورة أحاديث بهذا المعنى تدل بمنطوقها ومفهومها على هذا الموضوع، فمنها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا) رواه مسلم.
وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه عن النبي قال: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله).
وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله يقول: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا) رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه.
فهذه الأحاديث تدل على فتح الباب لإنشاء سنن الخير، والفرق ظاهر بين إنشاء السنن وبين إحيائها.
وزعم بعض آخر المراد بالسنة في الحديث ما سنه رسول الله صلى لله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدين دون المحدثات من سنن الخير التي لم تكن في عهده ولا في عهد الخلفاء الراشدين، بينما الحديث واضح في تحبيذ ابتداء سنن الخير دون قصر على أهل قرن بعينه، فقصر المحدث على محدث الخلفاء الراشدين تقييد للحديث بدون دليل.
وزعم بعض ثالث بأن المراد بالسنة الحسنة ما يخترعه الناس من أمور الدنيا وطرق المنافع، وبالسنة السيئة ما يخترعوه من طرق المضار والشرور، وقصرهم للمحدث المقبول على ما يتعلق بأمور الدنيا فقط هو من باب تخصيص الحديث بدون مخصص، وظاهر المراد منه أن كل أمر مبتدأ من غير مثال من أمور الدنيا أو أمور الدين مما يشمله الحديث.
وخلاصة القول أنه ليس العبرة في عدم قبول المحدث هو عدم سبق فعله، وإنما العبرة في رده هو أن يصادم نصًا أو أصلاً من أصول الشريعة وقواعد الاستنباط، وبهذه المعارضة يكون ليس من شرعه وعلى خلاف منهج تشريعه، وهذا هو بدعة الضلالة التي قد أصبحت حقيقة شرعية فيما يصادم النصوص والأصول، وهي مذمومة كلها بحسب ما استعملت فيه شرعًا.

بيان فساد التأويلات السابقة
والحاصل أن من حمل كلمة بدعة الضلالة الواردة في حديث (كل بدعة ضلالة) والكلية الواردة فيه على كل ما استحدث سواء من ذلك ما عارض النصوص والأصول وما لم يعارضها، فقد خلط بين الكلمة حين تستعمل شرعًا وحين تستعمل لغة، وجهل أن الكلية الواردة في الحديث إنما هي واردة على المحدث باستعماله الشرعي، وهو كل محدث يعارض نصًا أو أصلاً شرعيًا، لا على استعماله اللغوي، وهو كل أمر مبتدأ على غير مثال الذي يشمل القسم المردود، وهو ما يعارض النصوص والأصول، والقسم المقبول منه، وهو ما لا يعارض النصوص والأصول، فالأول: هو بدعة الضلالة، والثاني: مقبول، سواء حدث في العهود الأولى أو بعدها.
ومن أراد أن يدرج محدثًا لم يفعله الصحابة وأهل القرون الأولى في بدعة الضلالة فعليه أن يستقصي النصوص الخاصة والعامة والأصول الشرعية التي تصادم هذا المحدث وتقبحه، لئلا يختلط ذلك بالمقبول من البدعة بالإطلاق اللغوي، لأن إدراج هذا المقبول في بدعة الضلالة يعني تحريمه، ومعلوم أن تحريم الشيء حكم شرعي لابد له من دليل من كتاب أو سنة أو أصل معتبر ينطبق على المسالة المتنازع عليها، وإلا كان تحريمًا من عند أنفسنا ينطبق عليه ما ورد فيمن يحللون ويحرمون من عند أنفسهم، كما قال لعدي بن حاتم في تفسير قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27] وحسبنا احتياطًا في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن لا يعارض نصوصًا ولا أصولاً ويندرج تحت مصلحة مناسبة لم يبلغ الشارع اعتبارها، ومن أدخل كل محدث في حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أو في حديث (من رغب عن سنتي فليس مني) أو في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) إلى آخر ما قرّروه فقد جهل أنه ليس المراد بسنتهم ما وقع في عهدهم ليس إلا، وإنما المخالف لسنتهم هو ما يأتي على خلاف منهجهم في التشريع في أيّ عصر وقع، وأن ما يخدم مصلحة تشريعية معتبرة في أيّ عصر لا يقال فيه إنه ليس من مرهم أو ليس من سّنتهم، أو خارج عن أمره وطريقته وسنته ومنهج تشريعه، وإنما الخارج عن ذلك هو المحدث بعد القرون الثلاثة الذي يصادم النصوص والأصول الشرعية.

التمسك بالسنة عند فساد الأمة
كما زعم بعضهم أم المراد بحديث (من سن سنة حسنة) هو التمسك بالسنة النبوية المتضمن دفاع المسلم عنها والغيرة عليها، رغم محاربة الناس له، واستهزائهم به ومعارضتهم له.
قلت: ولاشك أن هذا معنى جليل وفهم عظيم، ولكنه قد جاء فيه –والحمد لله- نص صريح به يدل عليه ويرشد إليه بمنطوقه ومفهومه وألفاظه ومعانيه، ومن الجهل أن نتعدى بهذا التفسير إلى نص آخر ونطغى عليه به ونلغيه، وهو – لا شك- عدوان وتعدٍ على النصوص لا يرضاه الله ولا رسوله ولا كل ذي عقل سليم.
أما الحديث الوارد في هذا الباب بالنص فهو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد) رواه الطبراني في "الأوسط" وقال: لا يروي هذا الحديث عن عطاء إلا عبد العزيز بن أبي داود، تفرد به ابنه عبد المجيد.
وأورده بهذا اللفظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه محمد بن صالح العدوي، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.
وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" عن أبي هريرة ورمز لحسنه كما قال المناوي.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس رفعه: (من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد) رواه ابن عدي وقال: وللحسن بن قتيبه هذا أحاديث عن أبيه حسان وأرجوا أنه لا بأس به.

إطلاق الصحابة لفظ البدعة على بعض الأمور المستحدثة
إعلم أن بعض الصحابة رضي الله عنهم قد حكموا على بعض الأمور المستحدثة في زمانهم بكونها بدعة، فإن كان مع إطلاقهم ذلك شيء من أمارات الإنكار قولاً أو فعلاً دل ذلك على كونه قبيحًا عندهم، وإن لم يكن معه ذلك بل كان معه ما يدل على تحسينهم ذلك دل على أنهم أرادوا بالبدعة المعنى العام "المحدث"، لا البدعة التي هي ضلالة.
مثال الأول ما أخرجه أبو داود عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوّب رجلٌ في الظهر أو العصر، فقال ابن عمر: أخرج بنا فإن هذه بدعة.
قال العلامة المحقق البدر العيني: جاء في "المبسوط" روي أن عليًا رأى مؤذنًا يثوب للعشاء فقال: أخرجوا هذا المبتدع من المسجد. انتهى.
وكذلك ما أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من حديث أبي نعامة الحنفي – واسمه قيس بن عباية – عن أبي عبد الله بن مغفل قال: سمعنى أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أي بني محدث، وإياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله كان أبغض إليه الحدث في الإسلام – يعني منه – قال: وقد صليت مع النبي ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها أنت، إذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين.
قال اللكنوي: دل هذا الحديث على أن الجهر بالبسملة في الصلاة محدث، استقبحه عبد الله بن مغفل، والمسألة خلافية بين الأئمة، والأحاديث فيها متعارضة، والقول الحق هو ثبوت الجهر من النبي أحيانًا وكون السر أقوى من الجهر، كما حققته في رسالتي "إحكام القنطرة في أحكام البسلمة".
ومثال الثاني: ما ورد عن عمر في صلاة التراويح من توصيفها بالبدعة الحسنة.
وأخرج سعيد بن منصور في "سننه" عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: إن الله كتب عليكم صيام رمضان ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناسًا من بين إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضاء الله، فعاتبهم الله بتركها ثم تلا {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا....} الآية، دل أمره بالدوام مع صفة بالابتداع على كونه أمرًا حسنًا.
وكذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعمت البدعة هي.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قٌتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليّ منها.
قال العلامة الشيخ القسطلاني في "المواهب": أراد أنه لم يداوم عليها، أو أن إظهارها في المساجد ونحوها بدعة، وبالجملة فليس في أحاديث ابن عمر ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على رؤيته لا على عدم الوقوف في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة، انتهى.

ما أحدثه الصحابة ليس ضلالة
والدليل على أن ما أحدثه الصحابة ليس بضلالة ورود كثير من الأحاديث الدالة على الاقتداء بسيرة الصحابة كحديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) أخرج الدار قطني في "المؤتلف" وفي كتاب "غرائب مالك" والقضاعي في "مسند الشهاب" وعبد بن حميد، والبيهقي في "المدخل"، وابن عدي في "الكامل" والدارمي وابن عبد البر وابن عساكر والحاكم وغيرهم بألفاظ مختلفة المبنى متقاربة المعنى، بطرق متعددة كلها ضعيفة، كما بسطه الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" لكن بسبب كثرة الطرق وصل إلى درجة الحسن، ولذلك حسنه الصغاني، كما ذكره السيد الجرجاني في حاشية "المشكاة" حيث قال تحت حديث (فضل العالم على العابد...الحديث) قد شبّهوا بالنجوم قوله عليه السلام: (أصحابي كالنجوم... الحديث) حسنه الإمام الصغاني، انتهى.
قلت: وبعضهم يرى غير هذا، ولسنا هنا بصدد تخريج الحديث، وقال قاسم الحنفي في "شرح مختصر المنار": وتقليد الصحابي – وهو اتباعه في قوله وفعله من غير تأمل في الدليل – واجب يترك فيه القياس لقوله (مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) رواه الدار قطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد روي معناه من حديث أنس، وفي أسانيدها مقال، لكن يشد بعضها بعضًا. انتهى.
قال الإمام الحافظ البيهقي في "الاعتقاد": رويناه في حديث موصول بإسناد غير قويّ، وفي حديث آخر منقطع، والحديث الصحيح يؤدي بعض معناه، وهو حديث أبي موسى المرفوع: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي، أتى أمتي ما يوعدون).رواه مسلم انتهى
وكحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين...)، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما.
وكحديث: (اقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر) أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهما
وكأثر ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار له محمدًا، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح، أخرجه البزار والطبراني وأحمد في "مسنده" وغيرهم.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - معالم السنن شرح أبي داود الخطابي
[2] - الاستذكار شرح الموطأ لابن عبد البر
[3] - فتح الباري

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 07-07-2007, 10:58 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أسمري فى البوابة
 
الصورة الرمزية algalhud77
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:









algalhud77 غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
افتراضي


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

شكرا لك أخي العزيز على هذا الموضوع الرائع وجزاك الله ألف خير قشوطة...

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 08-07-2007, 12:08 AM   رقم المشاركة : 3
اخر مواضيعي
Cool رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا لك أخي هذا الموضوع الرائع وجعله الله في موازين أعمالك يوم الدين

][®][^][®][ويثبت][®][^][®][

 

 

التوقيع

 

آخـر مواضيعي

   

رد مع اقتباس
قديم 05-12-2007, 11:38 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
أسمري فى البوابة
 
الصورة الرمزية شذى2
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:








شذى2 غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
 

افتراضي رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكراً لك اخي الكريم على هذا المشاركة

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 16-01-2008, 05:49 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
أسمري فى البوابة
 
الصورة الرمزية الشيخ محمود آمين العاطون
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:








الشيخ محمود آمين العاطون غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
Lightbulb رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

(هذا المقال كتب فى الأساس كتمهيد لتراجم الأئمة : السيوطى - المتقى الهندى - المناوى - النبهانى المثبتة فى مقدمة جامع الأحاديث)
كلمات أحب أن أسجلها فى هذا التمهيد قبل أن تستغرقنا تلك الأوراق المقبلة التى سنحيا فيها مع سِيَر أربعة علماء من كبار أئمتنا ساهموا أبلغ المساهمة فى بناء حضارتنا الإسلامية ، وكانوا من روافد نقل هذا الدين نقيا طاهرا كما تلقوه من شيوخهم عن شيوخهم وهكذا إلى صحابة رسول الله ، عنه بنفسى هو وبأبى وأمى ، ولينتقل لنا ديننا الحنيف عبر تلاميذهم وآثارهم نقيا طاهرا كما تلقيناه ، ولنحمل أمانة الحفاظ عليه ونقله لمن بعدنا ، كما حُمِّلْناه ، ومن منا أو منهم يستطيع أن يتحمل إثم التبديل والكتمان ، أو الزيادة والنقصان .
لقد حاول مئات العلماء أن يستقرئوا شريعة الإسلام وفقهها ، ونجح عشرات منهم فى ذلك حتى عُمِلَ بطريقتهم فى الفقه عقودا أو قرونا ، ثم اندمج بعض المذاهب فى بعض من خلال الجدل العلمى طيلة عقود ، ليبقى مذهب من اتسعت دائرةُ استقرائه للشريعة ، واستطاع أن يقدم منهج فقهى أكمل ، وليذهب من عجز منهجه أو قصر .
وما حدث فى الفقه (مرتبة الإسلام) حدث فى العقيدة (مرتبة الإيمان) ، فسعى علماء أهل السنة لاستقراء عقيدتهم وتحليلها ، وبيان منهجها وقواعدها ، فمنهم من نجح فى الوصول إلى هذه الغاية ومنهم من قصر ، ويأتى على رأس الناجحين فى استقراء عقيدة أهل السنة وتقعيدها وتقريرها الإمامان : أبو الحسن الأشعرى (ت 324 هـ) ، وأبو منصور الماتريدى (ت333 هـ) ، واللذان لا يعدو دورهما فى العقيدة – ودور غيرهما من أئمة علماء العقيدة من أهل السنة – دور أئمة الفقه كأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد رحمة الله على الجميع .
فجهد الأشعرى والماتريدى لا يعدو تقرير عقيدة أهل السنة بأساليب عقلية ونقلية وتقعيدها وتنظيرها وتدوينها بعد أن لم تكن مدونة شأنها شأن علوم الإسلام كافة .
ولكن يأبى أصحاب الدعوات المحدثة المبتدعة إلا أن يصوروا للعامة – زورا وبهتانا – أن الأشعرى والماتريدى من أصحاب الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة ، ويحشرونهما حشرا فى مؤلفاتهم عن الفرق المخالفة .
والذى يخفى على كثير من العامة أن ذلك الصنيع يؤدى حتما إلى إخراج علماء الأمة كافة من أهل السنة والجماعة ، لأنهم جميعا درسوا عقيدة أهل السنة واعتقدوها بناء على طريقة الأشعرى أو الماتريدى ، وليصبح أهل السنة فقط هم من رضى عنهم أصحاب تلك الدعوات ، فغروا الناس بهم ، وأرهبوهم تارة ورغبوهم تارة . ومن ذا يحب أن يتهم ببدعة أو مخالفة فى العقيدة ، ولهذا سَلَّم لهم كثير من العامة فرارا من التهمة ، وظنا فى صحة تلك المزاعم ، ومن هنا شاعت تلك الدعوة بين كثير من العامة لا لصوابها ولا لكونها أحيت السنة ، ولكن لإرهابها الناس بالتهم الباطلة ، وإغرائهم بالأموال الطائلة ، والسعى الحثيث وراء نشر الكتيبات والمؤلفات حسب دعوتهم وتوزيعها بالمجان على ملايين المسلمين .
هذا ما كان من حال الفقه والعقيدة (مرتبتى الإسلام والإيمان) ، وهو نفسه الحال الذى جرى فى التصوف (مرتبة الإحسان) ، فكان هناك مئات من المجتهدين فى استقراء طرق الشرع فى تهذيب النفس ، وقد وقع لهذه الطرق فى تهذيب النفس ما وقع للمذاهب الفقهية من اندماج بعضها واختفاء بعضها .
وكما سمَّوا العلم الذى يتناول مرتبة الإسلام فقها ، فقد سموا العلم الذى يتناول مرتبة الإيمان عقيدة ، وسموا العلم الذى يتناول مرتبة الإحسان تصوفا .
وكما سموا طرق المجتهدين فى الفقه مذاهب ، فيقولون : مذهب الشافعى ومذهب مالك ، فقد سموا سبل المجتهدين فى العقيدة مذهبا وطريقة ، فيقولون : طريقة الأشعرى ومذهبه ، وسموا مذاهب المجتهدين فى التصوف طريقة ، فيقولون : طريقة أبى الحسن الشاذلى ، وطريقة شاه نقشبند . ونسبوا كل طريقة ومذهب إلى أول من قررها وقعدها بناء على استقراء الشرع الحنيف ، لا أنهم اخترعوا ذلك أو ابتدعوه أو زادوه على الدين المحفوظ ، مثلهم فى نسبة ذلك إليهم مثل نسبة القراءات القرآنية إلى أئمتها كقراءة حفص وقراءة نافع … إلخ ، فنسبة القراءة إليهم نسبة اشتهار ، لا نسبة وضع وتأسيس ، وإلا فالقراءة سنة متبعة عن النبى .
ولهذا ستجد المذاهب والطرق جميعا ترجع بأسانيدها إلى الصحابة عن النبى ، فمذهب الإمام أبى حنيفة يرجع فى مجمله إلى مدرسة سيدنا عبد الله بن مسعود ، ولهذا تكثر موافقته له ، ومذهب الإمام مالك يرجع فى مجمله إلى مدرسة سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ومذهب الإمام الشافعى يرجع فى مجمله إلى مدرسة سيدنا عبد الله بن عباس ، وطريقة الشاذلى ترجع بأسانيدها إلى جملة من الصحابة على رأسهم سيدنا على بن أبى طالب ، وطريقة شاه نقشبند ترجع إلى جملة من الصحابة أيضا على رأسهم سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله عن الجميع ، وهكذا فى سائر مذاهب أهل السنة وطرقها .
وكما اجتهد المجتهدون فى الفقه فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ ، فقد اجتهد المجتهدون فى العقيدة ، واجتهد المجتهدون فى التصوف ، فأصاب من أصاب وأخطأ من أخطأ ، وكما ادعى الفقه من ليس بفقيه ليشرف بالانتساب إليه ، فقد ادعى العلم بالعقيدة من ليس بمتكلم ، وادعى التصوف من ليس بصوفى ، ووقع ذلك فى علوم الإسلام كافة فهناك من انتسب للعلم بالسنة وحفْظ الحديث الشريف وليس كذلك ، وهناك من ادّعى العلم بالعربية وهو جاهل بها ، فهل ذُمَّ علم منها بسبب كثرة ادعاء المدعون له ، فلولا شرف الانتساب لعلم منها ما ادعاه المدعون ، وكلما ازداد علم منها شرفا كلما ازداد المدعون له عددا .
ولكن ما هو مسمى التصوف عندهم ؟ وما غرضه ؟
مسمى التصوف عندهم هو عرض أمر المرء كله فى صغيره وكبيره ، ظاهره وباطنه ، دقيقه وجليله ، على الكتاب والسنة ، بحيث لا يقدم عليه إلا عن بينة من دين الله ، مسمى التصوف عندهم هو {قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له} ، مسمى التصوف عندهم إدامة الحضور بين يدى الله ((أن تعبد الله كأنك تراه)) فلا تُخْرج نَفَسا إلا وأنت مراقب لله فيه هل خرج من صدرك فيما يرضى ربك ، هذا هو مسمى التصوف عندهم ، وهو يحتاج إلى فهم عميق وعلم واسع بالكتاب والسنة ، إذ غرض التصوف عندهم هو العمل بالكتاب والسنة لا غير ، فهل تراه يختلف أحد على هذا المسمى أو الغرض منه .
فإذا اتفقنا على المسميات والمعانى يصبح من الحماقة الاختلاف على الأسماء ، فسمه تصوفا ، سمه سلوكا ، سمه تزكية ، سمه إحسانا ، سمه علم نفس ، سمه ما شئت .
ويصبح من الحماقة أيضا جعل ما يصدر عن الطغام والجهال هو المعيار فى قبول ذلك المسمى الشريف أو رفضه ، ومن الحماقة أيضا رفض المبادئ أو القيم المثلى لعدم وجود من يعمل بها ، أو الحكم عليها بسلوك العوام من أهلها .
وإلا فهل ترضى أن يحكم على الإسلام بعظمته وشموخه وكماله وأنه لسعادة البشر بأنه ليس كذلك لأننا أتعس الأمم الآن وأضعفها .
ولنقلها صريحة : أين هو من علماء الأمة من ليس له مذهب فقهى وعقيدى وصوفى ؟ ثم ما هو الغالب على الجماهير المجمهرة منهم ، إن الغالب عليهم هو ما سنجد السيوطى والمتقى الهندى والمناوى والنبهانى عليه ، ويعجبنى أن هؤلاء الأربعة ليسوا من بلد واحد فيقال طريقة أهل بلد واحد فما بال سائر البلدان ، فمن هؤلاء الأربعة مصريان أقاما بمصر (السيوطى – المناوى) ، وهندى أقام بمكة (المتقى الهندى) ، وشامى (النبهانى) ، ولو فتشت سائر بلدان الإسلام لوجدتهم جميعا على ذات النهج .
ولهذا لن تعجب إذا وجدت أن هؤلاء الأربعة الذين كانوا من خدمة السنة النبوية الشريفة ، والذين نمهد بهذا التمهيد بين يدى تراجمهم ، لن تعجب إذا وجدت شأنهم شأن غيرهم من كافة العلماء فى كافة الأمصار قد انتسبوا لمذهب فقهى من المذاهب الأربعة التى استقر عليها الأمر ، وجميعهم من أهل السنة على طريقة الأشعرى أو الماتريدى ، وانتسبوا جميعا للتصوف تعلقا وسلوكا وتأليفا ، تلك المذاهب والطرق جميعا التى بنيت وشيدت فى أصولها وطريقة استثمار فروعها على الكتاب والسنة ، ولن تعجب إذا وجدت أن العقل الجمعى الذى تشكل لدى علماء أمتنا هو عقل مبنى على الكتاب والسنة فى أسسه ، وقيمه ، ومناهجه ، وسلوكه ، وحركته الفكرية ، وإدراكه للواقع ، وأدواته لإعادة صياغة ذلك الواقع ليكون أكثر اقترابا من مراد الله فيه .
ولنذكر هنا نموذجين يمسان حياتنا المعاصرة لكثرة الشغب حولهما ، لنرى كيف كان أئمتنا وعلماؤنا يقررون قواعدهم ومذاهبهم ، وكيف كانوا يفهمون الكتاب والسنة بناء على فهم الصحابة أنفسهم له : النموذج الأول معنى البدعة ، والنموذج الثانى : قاعدة (التزام الأدب مقدم على امتثال الأمر) . وسنرى من خلال هذين النموذجين أن الجماهير المجمهرة من العلماء لم يخرجوا فيهما عن الكتاب والسنة قيد أنملة ، وإن زعم من زعم من متمشيخة هذا العصر خلاف ذلك .
النموذج الأول : معنى البدعة ، ومفهوم البدعة هو أحد المفاهيم المحورية ، والذى يفصل أولا بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع ، ويفصل ثانيا بين العالم الحقيقى ومدعى العلم ، ولأهمية هذا المفهوم وخطورته أصبح من أكثر المفاهيم التى أسىء استخدامها هو ومفهوم الاجتهاد ، وتحت رايتهما تحولت السنة إلى بدعة ، والبدعة إلى سنة ، وترك كثير من العلم الصحيح والثابت ، وذم سلف هذه الأمة وأئمتها ، وما كان ذلك إلا ليصدق النبى فيما أخبر به من علامات آخر الزمان : من إعجاب كل امرئ برأيه ، وأن تصبح السنة بدعة ، والبدعة سنة ، وأن يلعن آخر هذه الأمة أولها ، وألا يتبع العالم ، ولا يسمع للحليم ، وكل هذا قد رأيناه مكتوبا فى الكتب والصحف ، وسمعناه فى الإذاعات والفضائيات وعم به البلاء ، وسرى إلى أبعد الناس عن العلم وصار الكل يريد أن يفتى بنفسه ، وسمعت بنفسى أكثر من مرة ممن لم ير بعينه صحيح البخارى قط ، ولم يشتغل بالعلم قط ومع هذا يقول : ((إن فى صحيح البخارى أحاديث ضعيفة)) ، فمن أضعنا من قلبه هيبة الصحيح لماذا نبكى عليه إذا فقد الثقة بالسنة كلها ، ومن أضعنا من قلبه هيبة الأئمة الأربعة ومذاهبهم فلا تأس عليه إن ترك الشريعة برمتها وراء ظهره . ثم يصرخ متمشيخو العصر بأن الناس باتوا لا يسمعون لأحد ، فأنتم أخرجتموهم من اتباع أكابر الأئمة الذين استقرت الثقة بهم على مدى قرون ، فهدمتم تلك الثقة بأيديكم ، فتريدون أن يتبعوكم ، لا والله .
ومن هنا كان مفهوم البدعة مفهوما خطيرا للغاية ، وأدى العبث به إلى زلزلة الناس فى كثير مما جرت عليه أمورهم مما كان مبنيا على علم صحيح ، وإن غاب أصله عنهم ، وكانت مجتمعات المسلمين مبنية بناء راسخا فى قيمها وأخلاقها وأعمالها على الكتاب والسنة وما استنبطه العلماء منهما ، وكان ذلك ساريا سريان الدماء بالعروق فى عادات الناس وتقاليدهم وثقافتهم ، فأتت الدعوات المستحدثة لتهز ذلك تحت دعوى التنقية والتجديد ونبذ التقليد وترك البدع – وهى كلمات حق أريد بها باطل – ولتضرب حضارتنا بأيدينا فى أسسها ، ثم هبطت الحضارة الغربية علينا لتطبق على بناء حضارى كاد يشيخ ، ولم تعد تحمله أسسه التى بنى عليها ، ولا استطاع مجددوه المزعومون أن يبدلوه أسسا أقوى أو أثبت مما كان عليها قائما .
على أن أئمة المذاهب الأربعة بنوا مفهومهم للبدعة على استقراء تام للكتاب والسنة ، وهكذا كانوا يفعلون فى كل اختياراتهم العلمية .
فقد اتفق العلماء المعتبرون من عهد الصحابة فمن بعدهم على أن من اخترع فى الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه عملا بقوله ((من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ([1]) ، فإذا شهد أصل عام له ، لم يكن ببدعة ، وإن لم يرد فيه نص بخصوصه ، والوقائع من عهد النبى والصحابة متواترة على ذلك ، فمن ذلك حديث ((قد سن لكم معاذ فاقتدوا به إذا جاء أحدكم وقد سبق بشىء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبق به)) ، فلو كان اجتهاد معاذ باطلا لأنكره عليه ، وكذلك زيادة التثويب فى أذان فجر كان باجتهاد بلال ، فأقره النبى وقال له : ((ما أحسن هذا يا بلال اجعله فى أذانك)) ([2]) ، وكذلك الدعاء بعد الرفع من الركوع كان من بعض الصحابة فأقره وقال له : ((لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)) ، وما أنكر عليه أنه زاد دعاء فى الصلاة ، لأن الأصل العام يشهد باستحباب الدعاء فى الصلاة .
فهذه الأحاديث القولية وغيرها من الأحاديث والوقائع الواردة والتى خرجها الإمام السيوطى تصل إلى حد التواتر المعنوى ، والتى قررت أن كل ما شهد له أصل عام فى الشرع فليس ببدعة وإن لم يفعله النبى ، وأن هناك فرقا بين ما ورد عن النبى تركه ، وبين ما لم يفعله أصلا فينظر فيه حسب أصول الشرع وفروعه ، ومن هنا قال الإمام الشافعى وكفى به فهما واستقراء للكتاب والسنة : ((البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة ، فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم)) ، وقال أيضا : ((المحدثات : ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال ، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة)) . وقال الإمام المجتهد العز ابن عبد السلام : ((لله أحكام تحدث عند حدوث أسباب لم تكن موجودة فى الصدر الأول)) ، وقال الإمام النووى : ((قوله (وكل بدعة ضلالة) هذا عام مخصوص ، والمراد غالب البدع ، قال أهل اللغة : هى كل شيء عمل على غير مثال سابق . قال العلماء : البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة ، فمن الواجبة : نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك ، ومن المندوبة : تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك ، ومن المباح : التبسط فى ألوان الأطعمة وغير ذلك ، والحرام والمكروه ظاهران . فإذا عرف ما ذكرته عُلِمَ أن الحديث من العام المخصوص ، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة ، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى التراويح : (نعمت البدعة) ، ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله : (كل بدعة) مؤكدا بكل ، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى {تدمر كل شيء} . . .)) . وقال الحافظ : ((التحقيق أن البدعة إن كانت مما تندرج تحت مستحسن فى الشرع فهى حسنة ، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح فى الشرع فهى مستقبحة وإلا فهى من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة))([3]) .
النموذج الثانى : أخرج البخارى ومسلم وغيرهما على ما سيأتى فى مسند سهل بن سعد : ((أن رسول الله ذهب إلى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبى بكر فقال أتصلى للناس فأقيم ؟ قال نعم فصلى أبو بكر فجاء رسول الله والناس فى الصلاة فتخلص حتى وقف فى الصف فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت فى صلاته فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله فأشار إليه رسول الله : أن أمكث مكانك . فرفع أبو بكر رضى الله عنه يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى فى الصف وتقدم رسول الله فصلى فلما انصرف قال : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك . فقال أبو بكر ما كان لابن أبى قحافة أن يصلى بين يدى رسول الله )) ، فقد استدل السادة الشافعية بصنيع أبى بكر وإقرار النبى له على تقرير قاعدة مهمة هى : ((التزام الأدب مع رسول الله مقدم على امتثال الأمر)) ، والأحاديث فى ذلك متضافرة – ربما تصل إلى حد التواتر المعنوى - منها قصة صلح الحديبية وفيها ما يأتى فى مسند سلمة بن الأكوع تحت طرف ((أن رسول الله بعث عثمان بن عفان إلى أهل مكة ، فأجاره أبان بن سعيد بن العاص فحمله على سرجه وردفه حتى قدم به مكة ، فقال له : يا ابن عم أراك متخشعا ، اسبل كما يسبل قومك قال : هكذا يأتزر صاحبنا إلى أنصاف ساقيه ، قال : يا ابن عم طف بالبيت ، قال : إنا لا نصنع شيئا حتى يصنعه صاحبنا فنتبع أثره)) ، فترك سيدنا عثمان بن عفان طواف القدوم مع كونه مأمورا به التزاما للأدب معه أن يطوف قبله . وفى رواية لابن عساكر عن عروة بن الزبير – تأتى بتمامها فى مراسيله - : ((وقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان : خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به فقال رسول الله : ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون . قالوا : وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص . قال : ذاك ظنى به أنه لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا فرجع إليهم عثمان . فقال المسلمون : اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف . فقال عثمان : بئس ما ظننتم بى فوالذى نفسى بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله )) ، وفى صلح الحديبية أيضا عند مسلم وغيره من حديث البراء على ما سيأتى فى مسنده : ((لما حُصر رسول الله عن البيت صالحه أهل مكة . . .)) وفيه : ((فقال لعلىٍّ : اكتب الشرط بيننا : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، فقال المشركون : لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله ، فأمر عليًّا أن يمحوها فقال علىٌّ : لا والله لا أمحوها ، فقال رسول الله : أرنى مكانها فأراه مكانها فمحاها)) ، إلى غير ذلك من الوقائع .
فهؤلاء ثلاثة من الخلفاء الراشدين استفاد منهم السادة الشافعية وتابعهم كثير من العلماء المتأخرين من كافة المذاهب فى تقرير هذه القاعدة أن ((التزام الأدب مقدم على امتثال الأمر)) ، وهذا مسلك فقهى دقيق مبنى على فهم عميق واستقراء للكتاب والسنة ، وفرع الشافعية على ذلك مسائل منها استحباب السيادة عند ذكر اسم النبى مطلقا فى الأذان والإقامة والتشهد وغيرها ، على ما كان مستقرا فى ريف مصر لاستقرار المذهب الشافعى به . وهو نموذج جلى لمسالك العلماء فى فهم الشرع والبناء على الكتاب والسنة ، فلا هم يقولون برأيهم ، ولا يبتدعون فى دين الله ما لم ينزل به سلطانا .
ولكن ابتلينا فى أعصارنا المتأخرة بمن يجهل مسالك الصحابة والعلماء من بعدهم وطرائقهم فى الاستنباط ، ولا يسلم للكتاب ولا للسنة ولا للعلماء قياده ليعلموه ، رغم عريض دعاوى هؤلاء المتأخرين بالرجوع للكتاب والسنة ولكن دون فهم أو فقه ، تعريضا منهم بأن مذاهب الأئمة المتبعة كأنهم قالوها بأهوائهم وحاشاهم.
بل المذاهب الأربعة مبنية بناء رصينا على الكتاب والسنة ، وتلاقحت عليها عقول ألوف العلماء ، وما أُصِبْنَا بالاضطراب والتخبط اللذين نعيشهما الآن فى مجال الفتوى إلا بترك ما تهذبت أصوله وفروعه وشيد على الكتاب والسنة ، إلى شىء غير معلوم ولا معروف ولا مقرر ، وصار لكل متحدث مذهب([4]).
فى ضوء هذا الإطار الذى نرجو أن نكون قد نجحنا فى بيانه تأتى ترجمتنا لهؤلاء الأربعة : السيوطى ، والمتقى الهندى ، والمناوى ، والنبهانى . وأن نقرأ حياة هؤلاء بل حياة علمائنا جميعا ، وتاريخنا الإسلامى قراءة حقيقية مخلصة نزيهة .وختاما فهذه كلمة نقولها نصيحة لله ولرسوله وللمسلمين عامتهم وخاصتهم ، ندين الله بها ، ونسأله أن نحشر عليها ، وأن يدخلنا فى زمرة هؤلاء العلماء الذين هم على نهج واحد منذ عهد النبى وصحابته وإلى يومنا هذا – والذين نحبهم وإن لم نكن منهم – وأن يحشرنا جميعا تحت لواء حبيبنا ، فإن المرء مع من أحب ، وإن قصر عنهم .
([1]) وانظر أيضا : أطراف ((من سن . . .)) .
([2]) يأتى فى قسم الأقوال ، وفى مسند بلال .
([3])هذه خلاصة ما استقر عليه العلماء المعتبرون فى المذاهب جميعا ، وفى نصوصهم كثرة ، ولهذا سنقتصر على أهم المواضع عند عدة أئمة كبار يعرف قدرهم الجميع : الإمام الشافعى ، وسلطان العلماء الإمام المجتهد العز ابن عبد السلام ، والإمام النووى ، والحافظ ابن حجر العسقلانى ، والإمام السيوطى ، والإمام ابن حجر الهيتمى ، ثم نذكر أهم الرسائل التى ألفها العلماء المعتبرون والتى سيجد القارئ فيها بغيته من نصوص الأحاديث وكلام العلماء المتعلق بالباب :
أما الإمام الشافعى ، فأخرج كلامه الأول أبو نعيم فى الحلية ، (9/113) ، وأخرج الثانى البيهقى فى المدخل لمعرفة السنن (1/191) .
وأما الإمام العز ابن عبد السلام : فانظر ما ذكرناه ، وكلامه على تقسيم البدعة إلى ما دلت الشريعة على أنه مندوب وواجب ولم يفعل مثله فى العصر الأول فهذا بدعة حسنة . . . إلخ كلامه فى فتاويه : (ص 99 ، 144) ، وقواعد الأحكام أو القواعد الكبرى (ص 204 – 205).
وأما الإمام النووى : فانظر كلامه فى شرح مسلم (6/154-155) ، وتهذيب الأسماء واللغات (3/20-21) ، وانظر : تطبيقه لمفهوم البدعة على الصحيح المقرر عند العلماء فى فتاويه : المسائل (35 ، 41 ، 42 ، 43 ، 47 ، 49 ، 50 ، 53 ، 65 ، 66) .
وأما الحافظ ابن حجر ، فانظر كلامه فى فتح البارى : (4/253) ، وانظر أيضا : (1/85 ، 10/275 ، 11/55 ، 13/253 ، 254) .
وأما الإمام السيوطى فقد تكلم عن ذلك وقام بتطبيقه فى حسن المقصد فى عمل المولد ، وسيأتى الكلام عليه تحت عنوان : اختيارات الإمام السيوطى العلمية فى ترجمته .
وأما الإمام الفقيه شيخ الشافعية ابن حجر الهيتمى (ت 974 هـ) ، ففتاويه الكبرى ، والفتاوى الحديثية بها كثير من شواهد ذلك ، وانظر على سبيل الخصوص : الفتاوى الحديثية (ص 150 ، 280-281) .
فأما الرسائل المفردة : فمن أهم ما كتب مفردا فى الباب وأصل له من الناحية الأصولية والفقهية :
1- الباعث على إنكار البدع والحوادث للإمام العلامة أبى شامة (عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعى ت 665 هـ) ، مصر : دار الهدى ، ط 1 ، 1398 هـ .
2- إتقان الصنعة فى تحقيق معنى البدعة ، ورسالة حسن الدرك لمسألة الترك ، لشيخنا شيخ الإسلام السيد عبد الله بن الصديق الغمارى ، مصر : مكتبة القاهرة ، د ت . وهناك عدة رسائل له مهمة فى هذا الصدد أيضا منها : الرد المحكم المتين ، وإعلام الراكع الساجد ، ومجموعة فتاويه ، وغيرها .
3- أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام ، لشيخ الإسلام العلامة المجتهد محمد بخيت المطيعى ، ط مصر : جمعية الأزهر العلمية ، 1358 هـ .
4- السنة والبدعة ، للعلامة الشيخ عبد الله محفوظ محمد الحداد باعلوى الحضرمى ، قاضى حضرموت ، مصر : مكتبة المطيعى ، 1989 . وهو أوسع ما رأيته فى هذا الباب وأجمعه ذكر فيه ما يربو على (350) حديثا وأثرا .
ومن الرسائل التى فيها تطبيق فقهى عملى لمفهوم البدعة على ما قرروه :
5- إقامة الحجة على أن الإكثار فى التعبد ليس ببدعة ، للإمام اللكنوى ، بتحقيق الشيخ أبى غدة ، حلب : مكتب المطبوعات الإسلامية ، ط 3 ، 1419 هـ .
6- سباحة الفكر فى الجهر بالذكر ، للإمام اللكنوى ، بتحقيق الشيخ أبى غدة ، حلب : مكتب المطبوعات الإسلامية ، ط 3 ، 1408 هـ .
7- حكم الشريعة الإسلامية فى مأتم ليلة الأربعين ، وفيما يعمله الأحياء للأموات من الطاعات ، للعلامة الشيخ الفقيه حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق ، مصر : مصطفى الحلبى ، 1388 هـ .
8- مقالات العلامة الشيخ يوسف الدجوى أحد كبار علماء الأزهر الشريف ، والتى نشرها تباعا بمجلة الأزهر ، ثم قام مجمع البحوث الإسلامية بجمعها فى مجلدين ، وهى مقالات نفيسة فى بابها .
9- البراهين الساطعة فى رد بعض البدع الشائعة للعلامة الشيخ سلامة العزامى أحد كبار علماء الأزهر الشريف ، وهو من أهم ما كتب فى هذا الباب .
10- سعادة الدارين للعلامة المحقق الشيخ إبراهيم السمنودى ، وهو من أوسع وأفضل ما كتب فى الباب ، واستوعب فيه كثيرا مما أثاره متمشيخة العصر ، وقد طبع بمصر قديما (1319 هـ) ، وأصبح لا يكاد يعرفه أحد ، ثم أعيد طبعه قريبا فى الإمارات العربية : دار البحوث للدراسات الإسلامية ، وفى موريتانيا أيضا ، فجزى الله خيرا كل من أحيا علما صحيحا اندثر .
([4]) وانظر للتوسع : تشنيف الآذان بأدلة استحباب السيادة عند اسمه فى الصلاة والإقامة والأذان ، لخاتمة الحفاظ شيخ مشايخنا الحافظ أحمد بن الصديق الغمارى ، وإتقان الصنعة فى معرفة معنى البدعة لشيخنا شيخ الإسلام عبد الله بن الصديق الغمارى ??? الشيخ محمود آمين العاطون

 

 

التوقيع

فضيلة الشيخ محمود آمين العاطون المقرئ العام بالنقابة العامة وعضو المجلس الأعلى للشؤن الدينية ونائب عام الجمهورية للتصوف ومحرر صحفى وعضو نقابة الصحغيــين؟ ومشرف قسم القرآن الكريم . بمنتديات الصفوة الإسلامية؟؟؟ مشرف مميز

 

آخـر مواضيعي

   

رد مع اقتباس
قديم 17-01-2008, 12:50 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
المشرفين
 
الصورة الرمزية العجيل
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:









العجيل غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
افتراضي رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

شكرا لكم سيدي الشيخ.
ويحسن أن يوضع ه>ا الموضوع في صفحة خاصة به.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 28-03-2008, 07:29 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
أسمري فى البوابة
 
الصورة الرمزية الشرقاوي
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:









الشرقاوي غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
افتراضي رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

اللهم لاعلم لنا الا ماعلمتنا انك انت العليم الحكيم

اللهم لافهم لنا الا مافهمتنا انك انت الجواد الكريم

جزاك الله خير الجزاء على المعلومات القيمة والمفيدة لنا كمسلمين

بارك الله فيك واحسن اليك وباذن الله في موازين حسناتك

دمت في حفظ الله ورعايته

 

 

التوقيع

سبحان الله وبحمده

سبحان الله العظيم

اللهم كما جمعتنا في دنيا فانية

فاجمعنا ثانية في جنة قطوفها دانية

 

آخـر مواضيعي

   

رد مع اقتباس
قديم 10-07-2008, 04:27 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
أسمري فى البوابة
 
الصورة الرمزية حجاج
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:









حجاج غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
 

افتراضي رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

جزاكم الله خير

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-08-2008, 01:48 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
المشرف العام
 
الصورة الرمزية رمزى
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:










رمزى غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
افتراضي رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

السلام عليكم

بارك الله فيك أخي قشوطة

إفادة قيمة وتستحق التثبيت

 

 

التوقيع

الدنيا مسألة ...... حسابية

خذ من اليوم......... عبرة

ومن الامس ..........خبرة

اطرح منها التعب والشقاء

واجمع لهن الحب والوفاء

واترك الباقى لرب السماء

 

آخـر مواضيعي

   

رد مع اقتباس
قديم 15-09-2008, 01:34 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
أسمري فى البوابة
 
الصورة الرمزية القبطان
 

 

 
إحصائية العضو
علم الدوله:









القبطان غير متصل

 

 

اخر مواضيعي
افتراضي رد: مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة


مفهوم البدعة عند علماء السنة والجماعة

السلام عليكم:
بارك الله فيك اخى الكريم على هذا الشرح المفصل , ولكن لماذا لانقصر على انفسنا الطريق ونترك هذا الخلاف ونتبع ما فعله
سيدنا محمد (ص) واصحابه , فنريح ونستريح , اصلا لايستطيع احدا ان يصل الى مستوى الرسول(ص) واصحابه فى
العبادات , فلماذا نزيد عليهم , فاالامر بسيط اذا اردنا ان نترك الخلاف ,ماعلينا الا ان نترك هوى العصبية والطائفية وهوى
ماوجدنا عليه آبائنا وأجدادنا ونرجع الى الاصل . وجزاكم الله خيرا على هذه المشاركة

 

 

   

رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

ندعوك الآن

منتديات بوابة الأسمري تناقش العديد من الموضوعات الرائعه والهامة وتقدم ما هو جديد دائماً إنضمامك آلينا الآنالتسجيل مجاناً لدينا.

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عقيدة أهل السنة والجماعة عبد الرحمن مجلس عــلـم الأصـــــــول والــعـقــيــدة 2 11-07-2010 09:32 AM
السيرة النبوية العطرة أرجوا التتبيت للأهمية ؟؟؟؟ المختار المجلس المحمدي صلى الله عليه وسلم 4 15-06-2010 08:59 AM
وثيقة:- شهادة و تطور عجيب للسلفية نحو السادة الأشاعرة والماتريدية اهل السنة والجماعة alasmri مجلس عــلـم الأصـــــــول والــعـقــيــدة 2 09-02-2010 12:02 AM
المولد النبوى بين التشريع والتبديع عبد الرحمن المجلس المحمدي صلى الله عليه وسلم 1 11-05-2008 12:48 PM
جهود علماء دمشق في الحديث في القرن الرابع عشر الهجري ـــ بقلم :د.بديع السيد اللحام قشوطة مجلس الحديث النبوي الشريف 1 24-04-2007 10:47 PM

<****** type="text/javascri pt">

الساعة الآن 07:41 AM.

تسجيل خروج غير مسجل


منتديات بوابة الأسمري


 

جميع ما يطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تمثل وجهة نظر المنتدى بشكل عام

 



Web Site Hit Counter  

الخلاصات RSS نصوص فقط الخلاصات RSS2 الخلاصات XML